كرة النازحين تتدحرج عبر الحدود وتسحق العامل اللبناني.. وجرائم تهدّد أمن بعلبك

أصبح واضحاً في الأشهر الأخيرة أن التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية وعلى رأسها الجيش خصوصاً في بعلبك - الهرمل، اتخذت منحى جديداً.

فقبل عامين، أطلق الجيش حملاته الأمنية ضد المطلوبين، بعد إعلان قائد الجيش العماد جوزف عون أن "الأمن خط أحمر"، وأن الجيش لن يسمح بالمساس بأمن منطقة بعلبك. بغض النظر عن التكاليف والتضحيات. وهو ما بعث على الهدوء والطمأنينة لدى سكان المنطقة. وبفضل استعادة الأمن، سجلت قلعة بعلبك الأثرية الصيف الماضي أعلى نسبة زوار من المناطق والدول المختلفة في السنوات العشر الأخيرة.

ومع ذلك، يظهر اليوم تحد جديد مع ظهور عصابات جديدة، غالب أفرادها سوريون، تنشط في جرائم السلب والسطو بقوة السلاح، والاتجار بالمخدرات ضمن جرائم فردية أو عصابات منظمة، أصبحت تشكل خطراً واضحاً. ويرتبط معظم هذه العصابات بعقول مدبرة تدير شؤونها بعيداً من الأضواء، وهم من الذين تمكنوا من الإفلات من قبضة الجيش من دون المخاطرة بحياتهم. ويستعيدون نشاطهم مع أفراد سوريين يتلقون تعليمات بتنفيذ مهمات بدلاً منهم، في مقابل أجور يتقاضونها وملاذات آمنة لهم. بعض هؤلاء الأشخاص دخل الأراضي اللبنانية عبر معابر غير شرعية، وارتبط أسمه بقضايا جنائية في بلده، فيما اضطر آخرون بسبب صعوبة الحصول على فرص عمل، إلى إفساح المجال لعصابات الجريمة من أجل استغلالهم عبر توفير فرص سريعة لهم للحصول على المال بطرق غير قانونية.

ولم يعد الاعتماد على السوري في مسائل السرقة والمخدرات فحسب، بل بات الأمر يتعدى ذلك الى استخدامه أداة لتصفية الحسابات، سواء بين العصابات نفسها أو بديلاً منها للقيام بأعمال انتقامية.

وكشفت التحقيقات عن تورط عدد من هؤلاء في عمليات انتقامية. وحملات الدهم الأخيرة لمخابئ المطلوبين، تحللتها غالب الأحيان اشتباكات مع سوريين جرى تزويدهم السلاح،وسقط كثيرون منهم بين قتلى أو أسرى. حتى أن الوضع وصل إلى حد التهديد بالانتقام من قيادات امنية على أيدي سوريين مأجورين، وهو ما صرح به أحد المطلوبين ح.ج. من خلال نشر تسجيل صوتي له خص به مدير فرع المخابرات في البقاع، محدداً أجورهم ما بين 200 دولار و1000 دولار أميركي، مؤكداً أنه أدخل آلاف السوريين إلى المنطقة عبر معابر التهريب المنتشرة على امتداد الحدودية اللبنانية - السورية.

وبحسب مصادر أمنية، فقد شددت المراقبة الأمنية على هؤلاء الأشخاص في الآونة الأخيرة، وأصبحوا هدفا للأجهزة الأمنية. وجرى في الأيام الأخيرة، اعتقال أكثر من عشرة سوريين متورطين في أعمال إجرامية، بما في ذلك القتل وسرقة السيارات، ومقتل أحدهم ع.أ. في كمين للجيش في أثناء نقله سيارة مسروقة في محلة تل الأبيض في بعلبك.

لم تعد تتوافر أرقام دقيقة لأعداد النازحين السوريين في بعلبك - الهرمل بسبب دخول أعداد كبيرة منهم عبر معابر غير شرعية، وغالبيتهم لا تملك أوراقا ثبوتية.

لكن النصيب الأكبر من وجودهم هو لبعلبك الهرمل التي تضم أكبر منطقة حدودية مع الأراضي السورية، وتتاخم عشرات القرى والبلدات. وبعدما كانت مسألة النزوح إنسانية، تحولت مع الوقت وستشراء التهريب مسألة أمنية بالغة الخطورة، تمثل تحدياً كبيراً للأجهزة الأمنية ولا سيما منها لجيش على رغم الظروف الاقتصادية التي تواجهها هذه المؤسسات.

الأمن الاقتصادي

ومع تقدير وجود زهاء 200 ألف نازح في المنطقة، استشرت البطالة بين المواطنين اللبنانيين وباتت كابوساً عليهم وعلى عائلاتهم. المواطن علي رعد يقبع حالياً في العناية المركزة في المستشفى الحكومي في بعلبك، بعد إصابته بجلطة دماغية نتيجة الضغوط التي يواجهها في حياته. وأكد أشقاؤه أنه كان يعاني من ضائقة مالية قبل إصابته. فلمدة تسعة أشهر، لم يتمكن علي الذي يعمل في البناء، من العثور على عمل. وجرى استبدال القوى العاملة اللبنانية بعمال سوريين بنسبة تصل إلى 90 في المئة لتقاضيهم أجوراً متدنية وعملهم من دون عقود قانونية. ناهيك بوجود نحو 4000 محل ومنشأة تجارية يديرها نازحون!

فخري

ويؤكد رئيس اتحاد بلديات دير الأحمر جان فخري، "أن الأزمة الحالية تتفاقم في منطقة دير الأحمر، وهي منطقة زراعية تضم نحو 8 آلاف نازح سوري. وأن كثيرين منهم أصبحوا أصحاب عمل ومشاريع زراعية كبيرة، ويمتلكون الأراضي والأدوات الزراعية ويتقاسمون ألاراضي مع اللبنانيين، فيما يتقاسمهم بعض السكان المحليين ويمكّنونهم، رغم أنهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية".

ويضيف: "أن المشاريع التي يديرها السوريون تشير إلى عدم رغبتهم في العودة إلى بلدهم، خصوصاً إذا جرى توفير الأراضي لهم لسنوات قادمة. وهؤلاء النازحين ما زالوا يتلقون المساعدة من المنظمات المعنية في لبنان".

وطالب القوى الأمنية بـ"التصدي للانتهاكات التي يرتكبها السوريون، من خلال ملاحقتهم حيث يستخدمون مركبات زراعية وسيارات من دون أوراق ثبوتية".

الجمل

وشدد عضو جمعية تجار بعلبك محمد الجمل على "عدم تعميم العمليات الإجرامية والأعمال الإرهابية على جميع النازحين السوريين، فهناك الكثير من النازحين يعيشون بشكل جيد ويلتزمون القانون. ويجب أن نعامل الأفراد بشكل فردي ونفصل المجرمين عن الأبرياء".

ودعا إلى "حل مشرف وإنساني وقانوني لقضية النازحين، فمن عليه العودة إلى وطنه يجب أن يفعل ذلك، ومن لا يستطيع العودة لأن لديه حالة معينة عليه أن يجد لها حلا، لأن الوضع أصبح خطيرا. وأعدادهم ترتفع بشكل كبير، وهناك ولادات من دون تسجيل".