المصدر: النهار
الكاتب: عبدالوهاب بدرخان
الأربعاء 23 أيلول 2026 07:06:43
كان المشهد بالغ الوضوح. في اليوم نفسه: في بيروت يكيل "حزب إيران/ حزب الله" الشتائم لمنتقديه في مجلس النواب، ما أكّد تراجع قوته وهيبته. وفي باريس يحاول رئيس الدولة إقناع الدول المهتمّة بدعم الجيش اللبناني، ولو بخطّة لنزع سلاح "الحزب" من دون "الصدام" معه.
لا يزال "الحزب" يتوعّد بـ "حرب أهلية" كي يحتفظ بسلاحه حتى لو لم يعد مجدياً في حمايته أو حماية بيئته، ولا في مواجهة إسرائيل أو مقاومتها، لكن "الحرس الثوري الإيراني" يتمسّك بهذا السلاح وبخوض صراعه مع إسرائيل غير آبه بما يتعرّض له لبنان واللبنانيون.
ولا تزال الدولة اللبنانية مصرّة على "حصر السلاح" لا نزعه، متسلّحة بحكمة الاستقرار الداخلي و"السلم الأهلي"، ولا لوم عليها في ذلك. لكن "الصبر الاستراتيجي" الذي اعتصمت به شجّع "الحرس" و"الحزب" على التمادي في تسهيل المهمة على العدو الإسرائيلي كي يحتلّ ويهجّر ويدمّر ويجرف ويهدّد بتوسيع احتلاله. فمَن يذهب إلى أقصى التهوّر والمجازفة بأمن بيئته المذهبية وأمانها وأملاكها وأرزاقها، لن يتوانى عن المجازفة بالبلد كلّه، ولديه في المقابل عدوٌّ إسرائيليٌ بات مصنّفاً عالمياً بأنه "فوق إرهابي"، متوحّشٌ ومهووسٌ بعقلية الإبادة، ولا يلقى من الولايات المتحدة سوى الدعم.
يتكرّر المشهد في نيويورك، ولاحقاً في واشنطن، حيث يحاول رئيس الحكومة اقناع الأميركيين وسواهم بـ "وجود دولي ضروري" في الجنوب لسدّ الفراغ الذي سيخلفه رحيل قوات "اليونيفيل" بنهاية السنة. واقعياً، لا يحتاج الوضع إلى إقناع، لكن الجانب الأميركي مقتنع ٌ بأن وجوده من خلال "الميكانيزم" سابقاً (مع فرنسا)، والمفاوضات المباشرة لاحقاً (مع إسرائيل، ومن دون فرنسا)، هو "المظلة الدولية" المطلوبة. ذاك أن الهدف هو نزع سلاح "الحزب" وفرنسا صنّفت "متعاطفة" مع هذا "الحزب" وهي لم تنفِ ذلك لكنها تعمل لدعم الجيش اللبناني، ما يعني افتراضاً أنها تدعم نزع السلاح بالطريقة التي يختارها الجيش.
في العودة إلى ظروف اصدار القرار 2790 الذي قدّمته فرنسا إلى مجلس الأمن وقضى بتمديد ولاية "اليونيفيل" للمرّة الأخيرة، يتبيّن أن الوضع انقلب رأساً على عقب. كان الاحتلال الإسرائيلي يقتصر على "التلال الخمس"، وكان هناك نقاش حول دعم الجيش لتمكينه من مهمّتين: بسط سيادة الدولة وسلطتها على الجنوب وكامل الأراضي اللبنانية، و"ضبط" سلاح "حزب إيران". لم يتقدّم النقاش وبقي الدعم وسيبقى مشروطاً بـ "نزع السلاح"، فهناك قرار حكومي وخطة قدمها الجيش، لكن مع وقف التنفيذ في انتظار دعم قد يأتي وقد لا يأتي. لا شيء أفضل من هذا الإشكال العقيم لخدمة إيران و"حزبها" الذي أطلق حرب الثأر لمقتل المرشد فإذا به ينتقم من لبنان وشعبه، ولخدمة إسرائيل التي لم تكن تنتظر سوى تلك الصواريخ الستة البائسة كي تجتاح الجنوب.
تحاجج واشنطن بأن "اليونيفيل" فشلت، لكنها لن تعترف بأنها ساهمت عبر إسرائيل في هذا الفشل وتتحمّلان مسؤوليته معاً، وبعدما انكشفت الأنفاق والمخازن تأكّد أن إيران و"حزبها" يتحمّلان جانباً كبيراً من المسؤولية بمنعهما الجيش منذ العام 2000 من الانتشار في كامل الجنوب. لم تُكلّف "اليونيفيل" بمهمات تحت البند السابع، ولم تُمنح صلاحيات ردعية على جانبي الحدود، وسيكون الأمر مماثلاً مع أي قوة جديدة قد تُنتدب إلى الجنوب، ما ينزع مسبقاً أي جدوى منها. إذاً، يُراد من ترحيل "اليونيفيل" فرض أمرين واقعين على الدولة اللبنانية: تنسيق أمني مباشر ومشترك مع إسرائيل (بانسحابات أو من دونها)، والضغط للتوقيع على "اتفاق سلام".