كواليس الرسائل غير المباشرة اللبنانية-الاسرائيلية عبر روما

بعد ساعات قليلة، سيكون لبنان على موعد مع حدث تاريخي يعدّ له في الكواليس السياسية والدبلوماسية بسرّية مطلقة نظراً لحساسيته. في وزارة الخارجية الاميركية، ستجتمع سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض بالسفير الاسرائيلي في واشنطن يحئيل ليتر في حضور السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى. 

مساء الثلثاء لن يشكّل محطة تفاوضية، ولن يحمل الإجتماع الثلاثي طابعاً تفاوضياً، وإنما سيكون، بحسب تأكيد بعبدا لـ "المدن"، إجتماعاً تحضيرياً، سيستمع خلاله لبنان إلى الرد الإسرائيلي حول الطرح الرئاسي لوقف إطلاق النار كشرط مسبق لأي مفاوضات. 

المعلومات تشير إلى أن لبنان لم يتبلّغ بعد بأي رد رسمي حول هذا الطرح، وهو اليوم يراقب الإشارات الميدانية التي تسبق مباحثات واشنطن، ليبنى على الشيء مقتضاه. إذ يقول مطلعون إن اسرائيل هي من طلبت إرجاء الإجتماع إلى يوم الثلثاء، بحيث يسود اليقين بأنها اشترت وقتاً لإحكام السيطرة على مدينة بنت جبيل. فالمعركة في هذه المدينة أساسية في الجغرافيا والحرب النفسية على حزب الله. وليس تفصيلا أن يسمّي رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو المدينة بالذات، مؤكدا أن القتال سيستمر على لبنان والتركيز اليوم على بنت جبيل. 

كواليس الإتصال الإيطالي الاسرائيلي حول لبنان

منذ اليوم الاول، دفع رئيس الجمهورية باتجاه وقف إطلاق النار كشرط مسبق للتفاوض. لكن موقف لبنان كان يقابل بتصريحات اسرائيلية تؤكد مبدأ التفاوض تحت النار. بين هذا وذاك، حُيّدت بيروت، وظلّ الجنوب تحت النار. وقبل يوم على انطلاق اجتماع واشنطن، وصل وزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاجاني إلى بعبدا، بعيد ساعات قليلة على نشر وزير الخارجية الاسرائيلية جدعون ساعر فحوى اتصال جرى بينه وبين نظيره الإيطالي حول لبنان. ركز الإتصال على ضرورة نزع سلاح حزب الله وتفكيك قدراته من أجل إضعاف إيران. لكن وفقا للمتابعين، فإن تاجاني لم ينقل أي إجابة من تل أبيب حول وقف إطلاق النار في لبنان قبيل المفاوضات. 

تاجاني فرّق بين حزب الله السياسي والبيئة الشيعية وحزب الله العسكري الذي لم يتلقَّ تعليماته من حزب الله لبنان. وكان تاجاني في الوقت عينه داعماً لمبادرة رئيس الجمهورية، وتحديداً حول وقف إطلاق النار قبل التفاوض. 

في معلومات "المدن" أن الوزير الإيطالي قال لنظيره الإسرائيلي إن الطرح اللبناني فرصة تاريخية لن تتكرر، وأن على اسرائيل أن تقتنص الفرصة، لأن طرح التفاوض مع اسرائيل بشكل رسمي عبر رئاسة الجمهورية يشكّل سابقة سياسية وتاريخية. في الموازاة، عكست أجواء الاتصال أن تل أبيب لن تدخل في التفاوض إلا محصّنة بكل أوراق القوة، وأبرزها معركتا بنت جبيل والخيام، وفقاً لمصادر محلية. أما لبنان، فتستبعد المصادر أن يخضع لضغط التفاوض تحت النار، لما قد يشكّله ذلك من أزمة داخلية ومن إحراج للرئيس نبيه بري الموافق ضمنياً على مبدأ التفاوض المباشر، على عكس حزب الله.

رسالة بالوساطة من بيروت إلى تل أبيب 

في اجتماع بعبدا، أكد وزير خارجية إيطاليا للرئيس جوزاف عون دعم بلاده للبنان، وسأله ما إذا كان يحمّله أي رسالة إلى تل أبيب قبيل المفاوضات. فردّ عون بأن ما ستشهده وزارة الخارجية الأميركية يوم الثلثاء ليس تفاوضاً أو مباحثات وإنما إجتماعاً يؤمَل من بعده التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وأضاف الرئيس أنه إذا حقق الإجتماع أهدافه، فعندها سيتولى وفدُ ثان يترأسه السفير سيمون كرم التفاوض.

استعاد رئيس الجمهورية أحداثاً تاريخية عالمية في كولومبيا وإيطاليا، ليذكّر ضيفه  بصعوبة تفكيك الجيوش غير النظامية بغض النظر عن طبيعة نشاطها. دخل الرئيس عون في شرح معمق للواقع اللبناني، مؤكدا أمام تاجاني أنه لا يمكن للجيش أن يزيل حزب الله. فحزب الله هو ابن النسيج اللبناني، له بيوته وناسه. أما إنهاء القوة العسكرية فليس بالأمر السهل كما يظنّ البعض، لأن الحزب ليس جيشاً نظامياً يمتلك ثكنات ومعسكرات ظاهرة وهيكلية واضحة تعكس عديد عناصره. وعليه فإن حصر السلاح لا يمكن أن ينجح إلا بقرار داخلي، بحسب الرئيس الذي أضاف أن الدولة اللبنانية قد اتخذت هذا القرار ومضت به بدليل ما قدّمته المؤسسة العسكرية من شهداء خلال تفكيك الجيش للذخائر والأنفاق العسكرية. لكن هذه المهمة تحتاج إلى مساعدة المجتمع الدولي لخفض التصعيد من الجانب الاسرائيلي. 

مطلب لطالما كررته بعبدا أمام كل الفعاليات الدبلوماسية والسياسية منذ بدء خرق اسرائيل لاتفاق وقف النار، ليس فقط من أجل تجنيب لبنان مزيداً من التدمير والدماء، وإنما أيضاً لإعطاء بعبدا ورقة قوة يفاوض من خلالها حزب الله وتقنعه بالتعاون. لكن اسرائيل لم تتجاوب يوما، فهل تقدم اليوم على فتح باب التفاوض وهي الممسكة بكل نقاط القوة أم أنها ستشتري الوقت لاستكمال مخططها التوسّعي؟