المصدر: العربية
الأحد 6 أيلول 2026 11:50:24
بينما تبادلت الولايات المتحدة وإيران الضربات في مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية، كانت القوات الأميركية تنفذ عملية أخرى شديدة السرية في مياه المضيق، هدفها إزالة الألغام التي تهدد حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي.
فقد أرسلت الولايات المتحدة، في الغالب خلال ساعات الليل، غواصين من قوات "سيل" التابعة للبحرية الأميركية، وقوارب آلية ومركبات متخصصة للعمل تحت سطح الماء، في مهمة لإزالة الألغام استمرت أربعة أشهر، وفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، الأحد.
فيما جرت عمليات التخلص من العبوات المتفجرة تحت الماء وفي الظلام، في محاولة لإزالة أحد أبرز العوامل التي دفعت السفن إلى تجنب نقل الشحنات الحيوية عبر المضيق، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران في فبراير، بحسب أشخاص مطلعين على العملية.
عملية شاقة
بالأساس، تُعد عملية إزالة الألغام من منطقة بحرية، حتى في أوقات السلم، مهمة شاقة ودقيقة قد تستغرق أشهراً؛ إذ يتعين على سفن متخصصة التحرك ذهاباً وإياباً عبر الممر المائي، وقطع الألغام من مراسيها، ثم إطلاق النار عليها عندما تبدأ في الطفو.
لكن العملية الأميركية في هرمز اتخذت مساراً مختلفاً، فقد عمل غواصو البحرية الأميركية ضمن فرق صغيرة باستخدام زوارق ذات هياكل قابلة للنفخ، وحددوا مواقع الألغام الإيرانية بمساعدة قوارب آلية ومركبات غاطسة، مثل "السفينة السطحية المشتركة غير المأهولة" التابعة للبحرية الأميركية، والتي تستخدم أجهزة سونار تُجر خلفها لمسح قاع البحر ورصد الألغام.
وتحتوي هذه الأجهزة على مستشعرات سونار عالية الدقة تعمل بالنظر الجانبي، ويمكنها رصد أجسام مثل الألغام الموجودة في قاع البحر بدرجة مذهلة من الوضوح، ويتيح ذلك لها تمشيط مساحات واسعة مع تقليل المخاطر التي يتعرض لها أفراد الطواقم إلى أدنى حد، وفق ما ذكر التقرير.
الغواصون.. المرحلة الأخطر
لكن تحديد موقع اللغم لا يعني انتهاء المهمة، إذ تأتي بعد ذلك المرحلة الأكثر خطورة، إذ قال بيل هامبلِت، وهو نقيب متقاعد في البحرية الأميركية، إنه "عادة ما يتبع ذلك غواص من البحرية يتعين عليه النزول إلى الماء والاقتراب من اللغم، ثم وضع عبوة متفجرة عليه وتدميره"، واصفاً القوة المستخدمة في هذه العمليات بأنها "قوة صغيرة جداً وخفيفة الوزن".
كما أضاف أن الولايات المتحدة ربما نفذت بعض عملياتها انطلاقاً من السفينة "يو إس إس ميغيل كيث"، وهي قاعدة عائمة متنقلة للبعثات الاستكشافية تابعة للقوات البحرية الأميركية في الخليج، كما يمكن استخدام المركبات الغاطسة الآلية لتدمير الألغام بالمتفجرات.
أما برايان كلارك، خبير إزالة الألغام في معهد هدسون، فقال إن هذه الأنظمة قد تشمل "سي فوكس" البريطانية، أو المنظومة الأميركية الأحدث "AN/ASQ-235 آرتشر فيش".
80 لغماً في ممرات الشحن
علماً أنه منذ اندلاع الحرب، أعلنت طهران أنها زرعت ألغاماً داخل مضيق هرمز لمنع عبور السفن، فيما قدرت المنظمة البحرية الدولية وجود نحو 80 لغماً جرى وضعه في ممرات الشحن الحيوية.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد قبل أيام، أن جميع الألغام البحرية في المضيق قد أُزيلت من "المياه الدولية"، في إشارة على الأرجح إلى الممر الملاحي التقليدي الذي تستخدمه السفن التجارية منذ عقود بموجب القانون الدولي.
كما أعلنت واشنطن أن أكثر من 200 جسم يشبه الألغام أزيل من الممر الرئيسي، لكن الفحص أظهر أن 11 منها فقط كانت ألغاماً فعلية، فيما كان عدد محدود منها موضوعاً بطريقة صحيحة، وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا إلى "أكسيوس" أواخر الشهر الماضي.
ورغم خطورة المهمة، لم يتم الإبلاغ عن وقوع خسائر بشرية أميركية مرتبطة تحديداً بعملية إزالة الألغام، في حين قال كلارك إن "قوات إزالة الألغام تكون عرضة للخطر، لأن العملية بطيئة، ولأن الزوارق أو المروحيات المشاركة فيها تفتقر إلى وسائل دفاعية كافية".
تهديد مزدوج.. صواريخ وألغام
كذلك لا تقتصر المخاطر على الألغام، فهناك أيضاً هجمات إيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن مجرد احتمال وجود ألغام في المضيق، حتى لو لم تكن موجودة فعلياً، كان كافياً لإخافة ملاك السفن ودفع شركات التأمين إلى فرض أسعار باهظة للغاية للتغطية، وفق ما ذكرت "فايننشال تايمز".
هذا ووصلت تكلفة التأمين إلى نحو عشرة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، وبالنسبة إلى ناقلة نفط عملاقة نموذجية، قد يعني ذلك تكلفة تأمين تبلغ نحو 10 ملايين دولار.
وأدى هذا التهديد إلى فتح جبهة أخرى من الصراع ممثلاً في "حرب المعلومات"، فطهران رفضت تأكيدات واشنطن بشأن إزالة الألغام، وقال نائب وزير خارجيتها كاظم غريب آبادي، في أواخر أغسطس: "لا أحد يعرف مواقع هذه الألغام سوى إيران".
وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه ترامب أن المضيق أصبح خالياً من الألغام، قال "مركز المعلومات البحرية المشترك"، الذي تديره البحرية الأميركية، إن هناك "خطراً مستمراً يتمثل في وجود ألغام جرفتها المياه أو ألغام غير محددة المواقع".
لذا قال محللون عسكريون إن إيران تمتلك آلاف الألغام من طراز "محم"، وهي ألغام شبيهة بتلك التي استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية، وبعض هذه الألغام يوجد أسفل سطح الماء مباشرة، وينفجر عندما تصطدم السفينة بأذرع الاستشعار الموجودة في اللغم. أما أنواع أخرى فتعمل عبر رصد التغيرات في المجالات الكهرومغناطيسية مع مرور السفن فوقها.
وفي أواخر أغسطس، شن الجيش الأميركي ضربة استهدفت منصات إطلاق صواريخ إيرانية كانت تستعد لإطلاق ألغام بحرية داخل المضيق.
أتت هذه التطورات الميدانية مع دخول الحرب بين إيران والولايات المتحدة شهرها السابع، منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على طهران في 28 فبراير، في حين انهار وقف لإطلاق النار ومذكرة التفاهم الموقعة في يونيو بعد فشل إبرام اتفاق بين الجانبين.
منذ ذلك الحين، أعلنت واشنطن ما وصفته ب"الحرب الاقتصادية" على طهران، بالتوازي مع استمرار حصارها البحري، الذي أدى إلى منع وصول إمدادات الوقود إلى إيران، التي تواجه في الأصل نقصاً في إنتاجها المحلي.