المصدر: صوت بيروت انترناشونال
الكاتب: كلادس صعب
الأربعاء 13 أيار 2026 13:18:12
لطالما شكل “القرض الحسن” الدعامة المالية لدويلة “حزب الله” التي ارادها ان تكون بديلة لمؤسسات الدولة اللبنانية مستعينا بالغطاء الرسمي لاستكمال هيكليتها، حيث شكلت بعض المصارف اللبنانية عبورا آمنا لها …عام 2011 برز اول انكشاف لهذا المسار بعدما ظهر الدور المالي ل “حزب الله” في المصارف اللبنانية مع تفجر قضية المصرف اللبناني-الكندي حين صنفت وزارة الخزانة الأمريكية المصرف كمؤسسة مالية رئيسية لغسل الأموال لارتباطه بشبكات تهريب مخدرات وتبييض أموال دولية ممتدة من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا عبر شبكة يقودها أيمن جمعة، وكان يعتقد أن ريع هذه العمليات يصب في مصلحة التمويل الحزبي. وقد أدت هذه القضية إلى تصفية المصرف ودمجه في مصرف سوسيته جنرال مما شكل الرسالة الدولية الأولى بأن الاختراق المباشر للمصارف اللبنانية الرسمية له ثمن باهظ…
لم تكن باقي مؤسسات الدولة اللبنانية الأخرى بمنأى عن مخططات “حزب الله” فالى الجانب المالي والمصرفي، برزت شبكة الاتصالات كعنصر اساس لبناء دولة موازية ذات سيادة خاصة تخضع ل “حزب الله” وتؤمن تواصل غرف العمليات العسكرية بمراكز القيادة في بيروت والجنوب والبقاع بعيداً عن رقابة مؤسسة “أوجيرو”… لجأ الحزب الى حفر انفاق لتأمين مرور خطوط الامداد لشبكة الاتصال الخاصة به ،على أعماق متفاوتة انطلقت من الضاحية الجنوبية التي تشكل النواة ومركز العمليات لباقي المناطق، امتدت بمحاذاة الطريق الساحلي نحو الجنوب وصولاً إلى عمق البقاع حيث اعتمدت المنظومة استراتيجية الشبكة الموازية عبر التغلغل في البنية التحتية لشركة الهاتف الرسمية.
استباحة المؤسسات
شهدت عملية مد الشبكة مواجهات حادة في مناطق جبلية حساسة،اعتبرت أعمال الحفر اعتداء على سيادتها ،عندما انكشفت في بلدة ترشيش .هذا التمدد وصل الى منطقة قهمز بجبيل. ووجهت هذه التمديدات برفض كبير، لكنها لم تمر بسلام وتعاظمت الى ان وصلت الى حدود المواجهة في مايو 2008 بعد قرار لمجلس الوزراء اللبناني اعتبر فيه الشبكة اعتداء على سيادة الدولة والمال العام وقرر ملاحقة المسؤولين عنها وإزالتها. لم يسلك قرار الدولة بانهاء التعدي على سيادة الدولة ومؤسساتها طريقه بل تحول الى مواجهة استغلها “حزب الله” ليفجر صراعا دموياَ في بيروت اطلق عليه اسم “احداث 7 ايار” الدموية، راح ضحيتها العشرات من ابناء بيروت، في وقت اعتبرها امين عام “حزب الله” حسن نصر الله يوما مجيدا.
لم توقف عملية الكشف عن شبكة الاتصالات الخاصة ب “حزب الله” عن تنفيذ استراتيجيته فهو استكمل مخططه وفق منهجية “الولي الفقيه”، ليكمل في مسار الهيكلية المالية التي اقامها وفق النهج الذي اتبعه في الاتصالات من خلال العبور الى المؤسسات المالية عبر قنوات انشأها من الشخصيات التي تواليه في مؤسسات الدولة في حين عمل على تخزين الذهب والاموال تحت ابنية الافرع الخاصة ب “القرض الحسن” في خزائن محصنة بعيدا عن الرقابة…
“القرض الحسن” المؤسسة التي حصلت على ترخيصها من وزارة الداخلية كجمعية ،كشفت العديد من التسريبات والوثائق المسربة من أنها الصندوق الأسود لامبراطورية المال الإيرانية التي تعمل خارج طهران والقناة الخلفية لتخزين وتمرير أموالها خارج نظام “سويفت” العالمي. وقد أظهرت البيانات وجود حسابات جارية نشطة مسجلة مباشرة باسم المرشد الإيراني علي خامنئي وأخرى تابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بالإضافة إلى مئات الحسابات لمواطنين إيرانيين بجوازات سفرهم يعملون كمودعين وهميين لتغطية حركة الأموال الضخمة التي كانت تنشط بشكل خاص على خط طهران بيروت نقلت عبر حقائب نقدية خلال زيارات مسؤولين إيرانيين لبيروت بعيداً عن القنوات المصرفية الرسمية.
ان عودة الحديث اليوم عن “القرض الحسن” جاء نتيجة معطيات ومعلومات نشرت في احدى وسائل الاعلام المرئية حول رسائل نصية وصلت الى بعض المستفدين من “القرض الحسن” وكأنها محاولة انعاش له، انما للمحظيين وهو امر طبيعي بعد التدمير الذي قامت به اسرائيل على فروع “القرض الحسن” لمنع الوصل الى تلك الاموال والذهب المودع في خزائن محصنة.
مسار العقوبات
وهنا لا بد من العودة الى المسار الانحداري ل “القرض الحسن” الذي بدأ مسار مع العقوبات الدولية التي انطلقت شرارتها الكبرى مع صدور قانون منع التمويل الدولي ل “حزب الله” بمرحلتيه في عامي 2015 و 2018 فرضت بموجبه عقوبات مشددة على أي مؤسسة مالية أجنبية تسهل عن علم معاملات مالية هامة ل “حزب الله” وفي عام 2021 انتقل المسار لاستهداف المسؤولين التنفيذيين الذين يشكلون العمود الفقري المالي .
عام 2024 انتقلت الاستراتيجية الميدانية إلى ما يعرف بالاغتيال المالي حيث لم تقتصر الملاحقة على العقوبات الورقية بل انتقلت إلى استراتيجية الاغتيال المالي الميداني التي جعلت من المحاسبين والوسطاء أهدافاً عسكرية مباشرة وتبرز حادثة بيت مري في المتن الشمالي في ابريل من العام المذكور، كمنعطف مفصلي في هذا المسار، حين عثر على الصراف محمد إبراهيم سرور مقتولاً في شقة سكنية. وقد كشفت التحقيقات أن العملية نفذتها فرقة اغتيال تابعة لجهاز الموساد الإسرائيلي حيث استخدمت أسلحة مزودة بكواتم صوت بعد إخضاع سرور لتعذيب احترافي لانتزاع معلومات تقنية حول شيفرات التحويل المالي بين طهران وبيروت مما أعلن رسمياً سقوط الحصانة المدنية عن الكوادر المالية. شكلت عملية اغتيال سرور بداية المسار الذي انتهجته اسرائيل في محاولة للقضاء على شبكة الشخصيات المالية التي تشكل العامود الفقري المالي للحزب ومن بينهم محمد جعفر قصير المسؤول عن وحدة النقل وتأمين شحنات الذهب وتفكيك شبكات الوسطاء الدوليين .هذه الاغتيالات لم توفر فروع “القرض الحسن” التي استهدفتها اسرائيل في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب ووصل عددها إلى أكثر من 40 فرعا حتى عام 2026.
“القرض الحسن”… مغسلة الاموال”
لم يكن الهدف من هذه الاغتيالات تصفية الاشخاص فحسب بل شل المنظومة عبر محو بنك المعلومات البشرية الذي يمتلك كلمات السر للخزائن الرقمية ومواقع طمر سبائك الذهب تحت الارض .هذا الضغط الميداني الذي طال ايضا مدراء القطاعات المالية في الجنوب والبقاع أدى الى ضياع الامانات وقطع الحبل السري للتمويل مما جعل “القرض الحسن” في حالة عجز كامل عن دفع الرواتب او تأمين التعويضات بعد تدمير مواكب نقل الاموال المموهة وتصفية منسقي التدفقات الخارجية…
حظي هذا المسار بغطاء سياسي أميركي صارم عبر عنه السيناتور ليندسي غراهام في تصريحه المؤرخ في ابريل 2026 بقوله يجب أن يفهم “حزب الله” “أن زمن استخدام النظام المصرفي اللبناني كغطاء لأنشطته الإرهابية قد انتهى إن مؤسسة “القرض الحسن” ليست بنكاً للفقراء كما يدعون بل هي مغسلة أموال كبرى تابعة لنظام طهران وسنواصل ملاحقة كل من يضع دولاراً واحداً في هذه الخزائن حتى يتم تفكيكها بالكامل”. وفي ذات السياق صدر في مايو 2026 تحديث رسمي عن وزارة الخزانة الأمريكية جاء فيه إن تدمير البنية التحتية المالية لمؤسسة “القرض الحسن” هو ضرورة استراتيجية لحماية النظام المالي العالمي فهذه الجمعية تحولت إلى رئة يتنفس منها الإرهاب الإقليمي عبر تهريب العملات الصعبة والذهب بعيداً عن الرقابة الرسمية للدولة اللبنانية وتفكيكها هو المفتاح لقطع التمويل العابر للحدود…
يبقى السؤال ان كانت الدولة اللبنانية ستتمكن من وقف الاعمال المالية التي يقوم بها “القرض الحسن” الذي رخص كجمعية وليس كمؤسسة تتعاطى الاعمال المصرفية والمالية وهذا الامر ما دونه عقبات كون سحب الترخيص يحتاج الى تصويت في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية اما عن المحاسبة القضائية من قبل النيابة العامة المالية فيه قد تطول او تبقى في الادراج لكن هل يمكن للضغوط الدولية والاقليمية ان تسهم في تحريكه في ظل القرار الذي اصدرته دولة الامارات والذي قضى بوضع “القرض الحسن” على قوائم الارهاب وتجميد اصوله مما يضيق الخناق الخارجي بانتظار قرار داخلي جريء.
يبقى السؤال ان كانت الدولة اللبنانية ستتمكن من وقف الاعمال المالية التي يقوم بها “القرض الحسن” الذي رخص كجمعية وليس كمؤسسة تتعاطى الاعمال المصرفية والمالية وهذا الامر ما دونه عقبات كون سحب الترخيص يحتاج الى تصويت في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية اما عن المحاسبة القضائية من قبل النيابة العامة المالية فيه قد تطول او تبقى في الادراج لكن هل يمكن للضغوط الدولية والاقليمية ان تسهم في تحريكه في ظل القرار الذي اصدرته دولة الامارات والذي قضى بوضع “القرض الحسن” على قوائم الارهاب وتجميد اصوله مما يضيق الخناق الخارجي بانتظار قرار داخلي جريء.