"لبنان الجديد" كرّس خياراته من الرياض إلى القاهرة

لم يتأخّر تَحَرُّكُ «الصفائح الساخنة» في الواقع الداخلي وتحديداً على خطّ العلاقة بين «لبنان الجديد» الذي بدأ بالتشكّل منذ 9 يناير 2025 وبين «لبنان القديم» الذي تَزَلْزَلَتْ توازناتُه على امتدادِ حرب الـ 65 يوماً التي عصفتْ بالبلاد وأصابت «حزب الله» بنكساتٍ كبيرة كانت أقوى موجاتها الارتدادية انهيار نظام بشار الأسد في سورية.

فعشية مرور شهرين على انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية وما تلاه من تكليف القاضي نواف سلام تشكيل حكومةٍ وُلدت في 8 فبراير الماضي، في تطوريْن عبّرا عن التحولات الجيو – سياسية في المنطقة وانعكاسها التلقائي على موازين القوى في لبنان، بدأت إشاراتُ «الاحتكاك» تَبرز:
- بين المسار الذي يحظى برعاية خارجية كونه الممرّ إلى استعادة الدولة «ألف باء» مقومات ومبررات وجودها والذي يشكّله حصْر السلاح بيدها واحتكار قرار الحرب والسلم وتالياً قَفْل «ملعب النار» و«حقل النفوذ» الذي كان مباحاً للمحور الإيراني كجزءٍ من مشروع تَمَدُّده في الاقليم.

- وبين فريق «الممانعة» الجريح والذي يُعاند حتى الساعة التسليم بالمتغيّرات التي أرستْها نتائج حربيْ غزة ولبنان وسقوط الأسد ومفاعيلها السياسية، والتي يوازيها «تفعيلٌ» مستدامٍ من اسرائيل لآلة الحرب وإن بآلياتٍ مَوْضعية في المرحلة الحالية تَزعم أن اتفاق وقف النار (27 نوفمبر) وملحقاته تتيحه لها حتى ضمان انتهاء وضعية «حزب الله» خارج الشرعية ونزْع سلاحه جنوب الليطاني وشماله، وصولاً إلى تحوُّل ملف إعادة الإعمار أحد عناصر الضغط في ضوء حاجة بيروت - التي تتخبّط في أزمة مالية تستجرّ منذ 2019 - إلى الخارج لتمويل هذه الورشة ورفْض المجتمعيْن الدولي والعربي أن يتحوّل هذا العنوان مدخلاً لإعادة تعويم الحزب مالياً عبر «مسارب» إيرانية يمكن أن تُستخدم أيضاً في إطار معاودة تكوين المَخزون العسكري.

ولم يكن عابراً أن ينطلق تظهير أول مَلامح «تصادُم الخيارات» خلال زيارة عون البالغة الأهمية والدلالات التي قام بها للمملكة العربية السعودية قبل انتقاله الى القاهرة حيث ألقى خطاباً جاء مدجَّجاً بلغةٍ غير مسبوقة لرئيس جمهوريةٍ منذ أعوام طويلة في منسوبِ «لبنانيّتها» و «وصْلها» مع العالم العربي، في مؤشّرٍ إلى أن «حزب الله» يحاول ترسيم حدود التعاطي معه من الآخَرين في لبنان وإحياء «خطوط حمر» حول سلاحه، هو الذي كان سار مع «الموجة» التي اكتمل معها النصاب السياسي الخارجي والداخلي لانتخاب قائد الجيش رئيساً والتحق بها الحزب لإكمال نصابها العددي ساعياً إلى التخفيف من سرعة «العاصفة» من الداخل، قبل أن يقاطع استشارات تكليف سلام ثم يمنح حكومته الثقة اضطرارياً لضمان «غطاءٍ» ما رغم خلوّ بيانها الوزاري للمرة الأولى منذ ربع قرن من عبارة المقاومة وإعلائها عنوان حصرية السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم للدولة.

«حزب الله»

وجاءت تعبيرات السلوك الجديد من «حزب الله» بمواقف لنواب ومسؤولين فيه رفضتْ أي مقايضات بين السلاح والإعمار، وهو الموقف الذي لاقاه فيه ايضاً رئيس البرلمان نبيه بري، وصولاً إلى تصويب النائب حسن فضل الله ضمناً على شعار الرئيس عون «لبنان تعب من حروب الآخَرين على أرضه» ووَضْعه الدولة أمام «اختبار ثقة» بمدى إمكان أن تكون «قادرة وقوية»، مروراً بما نُقل عن أجواء الحزب من أنه أبلغ المعنيين أن سلاحه شمال الليطاني لن يُسلّم محاولاً الاستفادة من احتلال اسرائيل لخمس تلال لبنانية ولشريط موزاي لتبرير بقاء السلاح فيكون على طاولة البحث في استراتيجية دفاعية للبنان (بعد تحرير التلال)، والتلويح بأن ربطَ الإعمار بأي خطوات أخرى، سياسية أو إصلاحية أو أمنية «هي محاولة للمسّ بالسلم الأهلي».

عون أمام قمة القاهرة

في المقابل كان الرئيس عون وأمام قمة القاهرة حول غزة أطلّ بخطاب لبنانيّ وعربيّ غمز في جانب منه من قناة إيران وأدوارها، مستخلصاً ما تعلّمَه لبنان بـ «ألا يكونَ مستباحاً لحروبِ الآخَرين فيه. وألا يكونَ مقراً ولا ممراً لسياساتِ النفوذِ الخارجية. ولا مستقَراً لاحتلالاتٍ أو وصاياتٍ أو هيمنات. وألا يسمحَ لبعضِه بالاستقواء بالخارج ضدَ أبناءِ وطنِه. حتى ولو كان هذا الخارجُ صديقاً أو شقيقاً. وألا يسمحَ لبعضِه الآخر، باستعداءِ أيِ صديقٍ أو شقيق. أو إيذائه فعلاً أو حتى قولاً»، ومعلناً «اليوم يعودُ لبنانُ إليكم. وهو ينتظرُ عودتَكم جميعاً إليه غداً».

وقال: «علمتني حروب الآخرين في لبنان، أنّ البُعدَ العربي لقضية فلسطين، يفرضُ أن نكونَ كلُنا أقوياء، لتكونَ فلسطينُ قوية. فحين تُحتلُ بيروت، أو تُدمّرُ دمشق، أو تُهدّدُ عمّان، أو تئنُّ بغداد، أو تسقطُ صنعاء يستحيل لأيٍ كان أن يدّعي، أنّ هذا لنصرة فلسطين. أن تكونَ بلدانُنا العربية قوية، باستقرارِها وازدهارِها، بسلامِها وانفتاحِها، بتطورِها ونموِها، برسالتِها ونموذجيتِها... إنه الطريقُ الأفضلُ لنصرةِ فلسطين».

وأضاف: «ها أنا هنا بينكم، أجسّدُ العهد. فها هو لبنانُ قد عادَ أولاً إلى شرعيته الميثاقية، التي لي شرفُ تمثيلِها. ها هو الآن، يعودُ ثانياً إلى شرعيتِه العربية، بفضلِكم وبشهادتِكم وبدعمِكم الدائم المشكورِ والمقدّر. ليعودَ معكم ثالثاً إلى الشرعيةِ الدولية الأممية. التي لا غنى ولا بديلَ عنها لحمايتِه وتحصينِه واستعادةِ حقوقِه كاملة».

وخاطب عون المؤتمرين لافتاً إلى أن «في بلدي، تماماً كما في فلسطين، مازالت هناك أرضٌ محتلة من إسرائيل. وأسرى لبنانيون في سجونها. ونحن لا نتخلى عن أرضنا ولا ننسى أسرانا ولا نتركهم»، معلناً أنّ «لا سلام من دون تحريرِ آخر شبرٍ من حدودِ أرضِنا، ولا سلامَ من دون دولةِ فلسطينية واستعادةِ الحقوق المشروعة والكاملة للفلسطينيين. وهو ما تعهدنا به كدولٍ عربية. منذ مبادرةِ بيروتَ للسلام سنة 2002، حتى إعلان الرياض في (نوفمبر) الماضي».

عون والسيسي

وعاد عون الى بيروت أمس بعدما اختتم زيارته للقاهرة

بلقاء مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، شاكراً إياه على «المساهمة المصرية في إنجاح الجهود التي بذلت لملء الفراغ الرئاسي في لبنان من خلال مشاركة مصر في اللجنة الخماسية».

كما تحدّث عون عن العلاقات اللبنانية - المصرية وسُبل تفعيلها في المجالات كافة، لافتا إلى انه سيلبي لاحقاً الدعوة التي وجهها اليه السيسي لزيارة القاهرة. وعرض الأوضاع في لبنان عموماً وفي الجنوب خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي للتلال الخمس «وضرورة العمل على انهائه في أسرع وقت واعادة الاسرى اللبنانيين الذين اعتقلتهم اسرائيل خلال الحرب الأخيرة. ولفت إلى استمرار الاتصالات من اجل تنفيذ إسرائيل للاتفاق الأخير في 27 نوفمبر».

ورد السيسي مرحّباً بعون ومشيداً بالكلمة التي ألقاها الرئيس اللبناني في القمة، والتي قال انها كانت معبّرة وشاملة.

واشار إلى ان مصر تعمل مع عدد من الدول المعنية لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من كامل الجنوب اللبناني. ونوّه بالجهود التي يبذلها الرئيس عون في إطار عملية النهوض، وقال في هذا الاطار للرئيس عون: «ابنِ لبنان ونحن معك وستجد مصر إلى جانبك».

حمد بن عيسى

وكان عون التقى ايضاً العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي هنّأ الرئيس اللبناني بانتخابه، مشيداً بالكلمة التي ألقاها في القمة، وبعمق العلاقات الأخوية التي تربط البلدين، ومؤكدا وقوف بلاده الى جانب لبنان للنهوض من أزماته الراهنة.

وأبدى العاهل البحريني رغبته بزيارة لبنان الذي يرسخ في ذاكرته ووجدانه، متمنياً زيارة الرئيس عون لبلاده.

كما اجتمع عون مع العاهل الأردني الملك عبدالله بن الحسين والرئيس الفلسطيني محمود عباس وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل خليفة والرئيس العراقي عبداللطيف رشيد والرئيس السوري احمد الشرع.

وحضر لبنان في البيان الختامي لقمة القاهرة الذي أكد «ضرورة تطبيق اتفاق وقف النار في لبنان، بجميع بنوده والالتزام بقرار مجلس الامن رقم 1701، وادانة الخروقات الاسرائيلية لهما، ومطالبة اسرائيل بالانسحاب الكامل من لبنان الى الحدود المعترف بها دولياً، وبتسليم الأسرى المعتقلين في الحرب الاخيرة، والعودة الى الالتزام بمندرجات اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل لعام 1949، والوقوف مع الجمهورية اللبنانية وامنها واستقرارها وسيادتها».