المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الخميس 26 آذار 2026 11:32:48
في لحظة وطنية مفصلية أصدر وزير الخارجية يوسف رجّي قرارا بالتنسيق مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة قضى بسحب اعتماد السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه ومنحه مهلة حتى يوم الأحد المقبل لمغادرة البلاد.
القرار سيادي بامتياز واختبارٌ حقيقي لقدرة الدولة اللبنانيّة على ممارسة سيادتها بموجب المادّة ٩ من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسيّة الصادرة عام 1961، والتي تنص على منح الدولة المضيفة الحق في اعتبار أي ديبلوماسي موجود على أراضيها "شخصاً غير مرغوب فيه" من دون شرح الأسباب. لكن الموقف السيادي استفزّ رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله ومن يدور في فلكهم. فكانت ردة الفعل بالطلب من السفير الإيراني عدم مغادرة البلاد وضرب قرار الحكومة عرض الحائط ، عدا عن سيل التعليقات على مواقع التواصل الإجتماعي من بيئة حزب الله تضمنت عبارات مسيئة للدولة ورئيس الجمهورية والحكومة ووزير الخارجية متهمين إياهم "بالخيانة العظمى". وصباح امس أجرى بري اتصالا برئيس الجمهورية وطلب منه التراجع عن قرار طرد السفير الإيراني كما تواصل مع الأخير مؤكداً عليه عدم المغادرة.لكن ما كُتب قد كُتب ولا تراجع عنه، ومسألة ديبلوماسية مماثلة لا تحل على الطريقة اللبنانية ولا "بمسح الذقون".
المحامي نجيب اليان يؤكد لـ"المركزية" أن القرار الذي اتخذته الحكومة سيادي بموجب المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الصادرة عام 1961، والتي أجازت للدولة حق اتخاذ قرار بإنهاء اعتماد السفراء في أيّ وقت ومن دون شرح الأسباب. كما أن اعتماد السفراء وقبول اعتمادهم، وفق الفقرة السابعة من المادة 53 من الدستور، هي من صلاحية رئيس الجمهورية. وبما أن الدستور لم يُشر إلى السلطة المختصة في تعديل أو الغاء اعتماد السفراء، فيتوّجب اتباع الاجتهاد الإداري الّذي يقول بنظرية "موازاة الاختصاص"، حيث تعني أن النص الذي لا يذكر السلطة المختصة لتعديل أو الغاء قرار اداري يعتبر من اتخذ هذا القرار هو صاحب الاختصاص، مما يعني أن رئيس الجمهورية هو صاحب الاختصاص في إلغاء الاعتماد بعد موافقة مجلس الوزراء، عدا أن المادة التاسعة من اتفاقية فيينا أجازت اتخاذ هذا القرار ضد أفراد الطاقم الديبلوماسي بعينه ، وليس ضد الدولة المعتمدة، ذلك أن العلاقات الديبلوماسية بين الدولة المعتمدة والمعتمد لديها يجب أن تخضع للاتفاق المتبادل، أي للرضى المتبادل وفق المادة الثانية من اتفاقية فيينا ، بهدف الحفاظ على قدرٍ مقبول من العلاقات الدولية.
في القانون الدولي، لا تُطرح مسألة رفض سفير تنفيذ قرار الدولة المضيفة بسحب أوراق اعتماده أو مغادرة أراضيها بمثابة "نزاع إرادي"بين شخص السفير والدولة، بل كحالة يحكمها إطار قانوني واضح مصدره اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي تنظّم بشكل دقيق وضع البعثات الدبلوماسية وأعضائها. إلى ذلك فإن منح مهلة زمنية كحد أقصى حتى يوم الأحد، ليس التزامًا منصوصًا عليه بمدة محددة في الاتفاقية، بل هو إجراء عملي متعارف عليه يمنح الشخص المعني فرصة لتنظيم المغادرة بشكل لائق. غير أن انتهاء المهلة من دون الإمتثال بها لا يُبقي الوضع على حاله، بل يفتح الباب أمام انتقال قانوني مهم.
"إذا رفض السفير المغادرة بعد انتهاء المهلة، تستطيع الدولة المضيفة قانونًا أن تعتبره فاقدًا صفته الدبلوماسية. وهنا تبرز مسألة الحصانات. فالحصانة الشخصية من التوقيف أو الملاحقة ترتبط بالصفة الدبلوماسية. لكن مع زوال هذه الصفة، يمكن من حيث المبدأ رفع الحماية الخاصة التي كانت تحول دون اتخاذ إجراءات بحقه. ويحق للدولة اتخاذ تدابير لضمان تنفيذ قرارها، لكن ضمن قيود أساسية، أهمها احترام مبدأ حرمة مقر البعثة الدبلوماسية، وتجنّب أي مساس غير مبرر بالكرامة الشخصية للدبلوماسي".
في التطبيق العملي، تلجأ الدول إلى وسائل تدريجية: سحب الاعتراف الرسمي، تقييد الامتيازات. وفي الحالات القصوى يمكن أن تصل إلى الطلب بمرافقة إدارية أو أمنية لمغادرة البلاد. ويُنظر إلى الترحيل القسري كخيار استثنائي، لكنه غير محظور إذا زالت الحصانة. وبالتالي، فإن أي رفض فعلي للامتثال يُعدّ إخلالًا بالتزامات الدولة الموفِدة بموجب الاتفاقية، ما قد يرتّب مسؤولية دولية عليها، وليس على الشخص بصفته الفردية.ويلفت اليان إلى أن جهاز أمن السفارات هو المولج بإخراج السفير في حال رفض الإلتزام بقرار الترحيل.
بالتوازي، فإن رفض السفير مغادرة الدولة المضيفة لا يغيّر من النتيجة القانونية النهائية. فالمسألة ليست ما إذا كان يستطيع"الرفض"، بل كيف ومتى تنتقل الدولة المضيفة من الإطار الدبلوماسي إلى الإطار التنفيذي، مع التزامها في جميع الأحوال بقواعد القانون الدولي العام والأعراف الدبلوماسية،وبذلك تتبدل وضعيته القانونية جذرياً.
القرار "ترحيل" السفير الإيراني المعتمد في لبنان اتُخذ وسيُنفّذ. والمرجح أن يغادر الأراضي اللبنانية وفق الموعد الذي حدده القرار الحكومي عبر مطار رفيق الحريري الدولي على رغم الشعارات التي لونت الجدران ليلاً على طريق المطار وتتضمن عبارات تدعو السفير إلى البقاء رغما عن قرار الحكومة. وفي حال تأجل الموعد أو تريث في "الرحيل" يصبح بلا حصانة وفاقداً لصفته الديبلوماسية. ويقول اليان في حال بقي السفير الإيراني على موقفه من عدم المغادرة بإيعاز من بري وحزب الله يصبح لزاما على وزير الخارجية يوسف رجي الطلب من وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار إرسال برقية إلى جهاز أمن السفارات للطلب منه تنفيذ مهمة إخراج السفير. لكن الأكيد أن الحكومة لن تتراجع، وإذا حصل -وهذا مستبعد- فهذا يعدّ انكساراً للدولة ومفهوم السيادة. وبقرار ترحيله قد ندفع الثمن غالياً لأنه اتخذ في لحظة دقيقة لكن لا خيار ثانٍيا وعلينا أن نبدأ من مكان ما".