المصدر: أخبار اليوم
الكاتب: رانيا شختورة
الخميس 24 أيلول 2026 17:47:18
يلتقي الاهتمام الفاتيكاني بلبنان مع اهتمام فرنسي مواكب، تتقاطع خيوطه غدًا حين يبدأ البابا لاوون الرابع عشر زيارته الرسولية إلى فرنسا (25-28 أيلول 2026).
باريس، التي تربطها بلبنان علاقة تاريخية وثقافية، لم تتوقف عن وضع الملف اللبناني على طاولة حواراتها مع الفاتيكان: ففي نيسان 2026، خصّص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول لقاء له بالبابا لاوون لمناقشة أزمة الشرق الأوسط، وتصدّر لبنان جدول المحادثات، خصوصًا في أعقاب غارات إسرائيلية طالت البلاد وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا.
وحين يحطّ البابا في باريس غدًا في مستهل جولته الفرنسية التي تختتم بمحطة رمزية في مدينة متز يوم 28 أيلول، فإنه يحمل معه ملفًا لبنانيًا يتقاسم الاهتمام به مع مضيفه الفرنسي، في وقت لا يزال لبنان يترقب أن يُترجَم هذا الاهتمام المزدوج إلى ضغط فعلي يخفف من وطأة أزماته المتراكمة.
وبعد نحو عشرة أشهر على زيارته التاريخية إلى بيروت في 30 تشرين الثاني 2025، لا يزال البابا لاوون يضع لبنان في قلب اهتماماته الرعوية والسياسية، في وقت تتعمق فيه الأزمات في البلد.
وقد تجلّى هذا الاهتمام في محطات متتالية: نداء أطلقه في نيسان 2026، ولقاء جمعه بالرئيس اللبناني جوزف عون في الفاتيكان في آب الماضي، وزيارته الحالية إلى فرنسا.
وفي نيسان 2026، وفي ظل استمرار التوتر الأمني، وجّه البابا نداءً أكد فيه أنه "أقرب من أي وقت مضى" إلى الشعب اللبناني في أيام الخوف والحزن، مشددًا على أن حماية المدنيين من ويلات الحرب "واجب أخلاقي" لا يمكن التغاضي عنه.
وفي 20 آب 2026، استهل الرئيس عون زيارته إلى روما بلقاء البابا في الفاتيكان، حيث دعا الكرسي الرسولي إلى مواصلة جهوده الدبلوماسية لإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود "صيغة الإطار"، ووقف اعتداءاتها اليومية على القرى والبنى التحتية في الجنوب، فيما أعرب الفاتيكان في المقابل عن قلقه حيال الصعوبات التي تواجه تطبيق هذا الاتفاق.
أما اليوم، فتحمل زيارة البابا إلى فرنسا امتدادًا لهذا الحضور اللبناني: إذ من المقرر أن يختتم مساره الفرنسي بقداس في كاتدرائية القديس إسطفانوس بمدينة متز يوم 28 أيلول، تُتلى خلاله نبوءة أشعيا عن لبنان، في استعادة رمزية لكلمته التي ألقاها في بيروت حين وصف البلاد بأنها أرض ذات جمال نادر حجبته سنوات من الفقر والمعاناة والهشاشة السياسية والعنف، داعيًا إياها لأن تكون "علامة نبوية للسلام" في المشرق.
وفي السياق عينه، تبقى كلمته في القصر الجمهوري خلال زيارته إلى بيروت مرجعًا دائمًا للفاتيكان، حين قال إن "لبنان أمانة" لدى الكرسي الرسولي، وإن السلام فيه "شوق ومصير، وعطية وورشة عمل مفتوحة دائمًا".
ويقول مصدر ديبلوماسي مواكب، عبر وكالة "أخبار اليوم" هذا الحضور المتواصل، الذي تتقاطع فيه الدبلوماسية الفاتيكانية مع الاهتمام الفرنسي، ليس مجرد تعاطف رعوي، بل يعكس رؤية لدور محدد يمكن أن يلعبه الفاتيكان في مواجهة الأزمات اللبنانية، من دون أن يطرح نفسه بديلاً عن القوى السياسية المحلية.
واذ يرى ان هذا الدور يقوم على مسارات عدة متكاملة، يشدد المصدر على ان المسار الفاتيكاني الديبلوماسي الدولي والضغط على مراكز القرار، اذ يوظف الكرسي الرسولي شبكته الواسعة لحشد الدعم للبنان، سواء عبر تثبيت "اتفاق الإطار" ومطالبة المجتمع الدولي بإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها وضمان انسحابها الكامل، أو عبر العمل في العواصم الكبرى مثل واشنطن وباريس لترسيخ فكرة أن استقرار لبنان مصلحة أمنية إقليمية لا ملف ثنائي معزول.
ويتحدث المصدر عن المسار الثاني يتمثل في دعم مؤسسات الدولة وشرعيتها، انطلاقًا من قناعة الفاتيكان بأن استمرار صيغة العيش المشترك مرتبط جوهريًا بصلابة هذه المؤسسات. فهو يدعم جهود تعزيز العهد الجديد واستعادة الثقة الداخلية والخارجية، ويرى في المؤسسة العسكرية صمام الأمان الوحيد لحماية السلم الأهلي ومواجهة التهديدات الأمنية.
اما المسار الثالث، بحسب المصدر عينه، فهو السعي الى تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي والمؤسساتي في الداخل. فأمام تراجع قدرة الدولة الاقتصادية، يدعو الفاتيكان الكنائس والمؤسسات الرهبانية الى خدمة اللبنانيين جميعًا من دون تمييز طائفي.
وفي السياق عينه، ينتقل المصدر للحديث عن المسار الرابع الذي يتصل بدعم وتأييد الحوار الإسلامي-المسيحي ومنع الانزلاق نحو الفتنة. فرفض البابا المعلن لـ"عقلية الانتقام والعنف" يشكل كابحًا معنويًا أمام أي احتقان داخلي، بينما يظل التذكير المستمر بأن "لبنان رسالة عيش مشترك" أرضية لحوار وطني مستدام.
ويختم المصدر: لا يقدّم الفاتيكان نفسه كقوة تدخّل مباشر في الشأن اللبناني، بل كضامن أخلاقي ومحفّز دبلوماسي، تلتقي جهوده مع اهتمام دولي- فرنسا في مقدمته - يراهن على أن يبقى لبنان، رغم كل أزماته، الشاهد الحي على إمكانية العيش المشترك في منطقة تمزقها الصراعات.