المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نخلة عضيمي
الخميس 9 نيسان 2026 06:30:28
قالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب صراحة: "اتفاقنا مع إيران لا يشمل "حزب الله" وطهران تعلم ذلك".
يظهر هذا الإعلان بوضوح أن ورقة "حزب الله" قد وضعها نظام الملالي جانبًا لمصيرها من دون أن يسقطها من يده. فالمعركة مع إسرائيل أصبحت بالإنابة، بعد أن وضعت طهران "الحزب" في واجهة معركة مفتوحة حتى الرمق الأخير. وهكذا كانت إيران مع "حزب الله" والحوثيين يخوضون معركة الممانعة فأصبحت عصابة "الحزب" تخوض لوحدها معركة المحور بدماء اللبنانيين.
لبنان تحت النار بلا أفق
لا يكمن الخطر الحقيقي على لبنان فقط في تداعيات الاتفاق الأميركي الإيراني. إذ تؤكد مصادر دبلوماسية رفيعة لـ "نداء الوطن" أن التسوية من دون أن تشمل لبنان حوّلته مجرد ساحة معلّقة تدرج في التصريحات وتترك على الأرض لمصير غامض، لا سيما أن لبنان اليوم لا يعاني فقط من استمرار الحرب، إنما زج به في المجهول من دون أي إطار واضح يحدد مصيره الأمني والسياسي والسيادي.
وتصف المصادر الدبلوماسية الواقع بالبالغ الخطورة: أراض جنوبية ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية أو العزل العسكري، قرى مدمرة أو معطلة، نازحون بلا أفق، معابر معلقة، وبلد بأكمله يدار على قاعدة الانتظار والتأجيل والغموض. وهكذا إن استمرت المواجهات في لبنان، فإن الأزمة اللبنانية إلى تفاقم من دون حل مع تثبيت وقائع ميدانية وسياسية جديدة بالقوة وتحت غطاء دولي.
لبنان ساحة على مذبح التسويات
حاليًا، تدور حرب إيرانية مع إسرائيل بالوكالة عبر عصابة "حزب الله" ومن دون أفق. حتى وإن أعيد شمل لبنان بالهدنة وهو مستبعد في هذه المرحلة، فلا آلية انسحاب واضحة من المناطق الجنوبية التي دخلتها إسرائيل أو عزلتها فعليًا، ولا خطَّ محددًا لهذا الانسحاب، ولا مهلة زمنية، ولا تصور عمليًا لكيفية استعادة السيادة اللبنانية الكاملة على الأرض. وهنا تكمن الكارثة السياسية والأمنية، لأن أي وقف للنار إن حصل لا يتضمن خريطة واضحة لإنهاء الاحتلال أو تفكيك الوقائع العسكرية المستحدثة، لا يكون في الحقيقة إلا تجميدًا للحرب فوق أرض ناقصة السيادة.
الأخطر أن وضع لبنان اليوم، أسوأ حتى من الوضع الذي أعقب تفاهم 27 تشرين الثاني 2024. يومها، كان هناك على الأقل إطار تفاهم يمكن الاستناد إليه سياسيًا وقانونيًا، أما اليوم، فلبنان مهدد بأن يجد نفسه أمام واقع أكثر هشاشة: مجرد وضع أمني ملتبس في الجنوب، يسمح لإسرائيل بالقول إنها حققت جزءًا من أهدافها الميدانية، ويترك لبنان في المقابل أسير الغموض والانتظار.
ولا تتوقف الخطورة عند حدود الاحتلال أو الترتيبات الأمنية. فلبنان، حتى الآن، لا يملك أي تصور عملي لإعادة ربط الجنوب بشمال الليطاني، ولا ضمانات لإعادة وصل البقاع الغربي بالجنوب، ولا معالجة حقيقية لوضع حاصبيا ومرجعيون وسائر المناطق التي باتت معزولة جزئيًا أو مهددة بالعزل. وهذا ليس تفصيلًا خدماتيًا أو هندسيًا، بل مسألة تتصل مباشرة بوحدة الجغرافيا اللبنانية وبمعنى الدولة نفسها. فعندما تقطع الجسور والطرق، وتعزل المناطق، وتترك الروابط الحيوية بين القرى والأقضية والمحافظات معلقة، فإننا لا نكون فقط أمام آثار حرب، بل أمام خطر تفكيك تدريجي لوحدة المجال اللبناني.
أما ملف النازحين، وهو من أكثر الملفات حساسية وإنسانية وسياسية، فيكشف بدوره حجم الفراغ القائم. فحتى اللحظة، لا يوجد تصور واضح لعودة النازحين إلى قرى جنوب الليطاني، ولا ضمانات أمنية، ولا آلية رسمية تقول للناس متى وكيف وتحت أي حماية يمكن أن يعودوا إلى بيوتهم وأراضيهم. وهذا الفراغ ليس مسألة إدارية فقط، بل هو خطر سياسي وديموغرافي مباشر، لأن أي تأخير طويل في العودة، في ظل بقاء الأرض في دائرة التهديد أو الاحتلال أو العزل، قد يفتح الباب أمام تثبيت وقائع جديدة لا تمس فقط الأمن، بل تمس التركيبة السكانية والوجود البشري نفسه في الجنوب وبقية المناطق.
وإذا كان الجنوب في قلب هذا الغموض، فإن الحدود الشرقية لا تبدو أفضل حالًا. فمعبر المصنع، بوصفه المعبر البري الأهم للبنان، معلّق من دون أي ضمانة جدية لتحييده عن ترتيبات أمنية إقليمية مقبلة. ويزداد القلق مع تصاعد الحديث عن منطقة عازلة بين المصنع وجديدة يابوس، ومع ما يتداول عن دور إسرائيلي في المراقبة أو في صياغة الترتيبات الأمنية المرتبطة بهذه المنطقة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإننا نكون أمام تطور بالغ الخطورة، لا يتعلق فقط بحركة العبور أو بالتجارة، بل بموقع لبنان الجغرافي والسيادي نفسه، لأن تعليق المعابر البرية أو إخضاعها لترتيبات خارجية يعني عمليًا ضرب أحد آخر مفاصل السيادة والاتصال الطبيعي للبنان بمحيطه العربي.
من هنا، فإن أخطر ما نتج عن وقف إطلاق النار الإيراني – الأميركي يكمن في وضع لبنان تحت النار وفي منتصف الطريق: حرب مفتوحة، "حزب الله" يأخذ الجميع رهينة، لا سيادة كاملة. وهذه تحديدًا هي الصيغة الأخطر، لأن الدول لا تنهار فقط تحت القصف، بل أيضًا تحت التسويات الناقصة، والغموض المقصود.