لبنان ضد الحزب: اندثارُ زمنٍ وانهيار مرحلة

بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، تولى "حزب الله"، لاسيما إثر حرب عام 2006 و "غزوة" 7 أيار/ مايو 2008 واتفاق الدوحة، السيطرة التامة على لبنان ونظامه السياسي. لا حكومة ولا رئيس حكومة ولا رئيس جمهورية ولا حتى موظف علا شأنه يعيّن في البلد دون الانصياع الكامل لتوجيهات "حارة حريك". كان زمن مضى إلى غير رجعة تعلن اندثاره قرارات الحكومة التاريخية الاثنين الماضي.

ووصف "التاريخية" لا ينحصر فقط بجعل ما أسمته الحكومة ذراعاً عسكرية للحزب "خارجاً عن القانون"، بل بتثبيت الدولة مرجعاً وحيداً لإدارة السياسة والأمن والدفاع في البلد، وهي بداهة غابت منذ عقود. وتضاف قرارات الحكومة الأخيرة إلى أخرى في آب/ أغسطس 2025 صادقت على خطط لفرض حصرية السلاح بيد الدولة وحدها. وفيما تدور أسئلة بشأن قدرة الدولة وجيشها على تنفيذ مقررات الحكومة، فإن الحزب سقط، وانتهى وهجه، وتحوّل إلى "خارج عن القانون"، يداري ورطته بما بقي شرعياً من سياسييه.

وعلى الرغم من إعلان الأمين العام الراحل السيد حسن نصر الله عن ولاء الحزب التام للولي الفقيه والفخر بأن يكون جندياً لديه، جرى التعويل في لبنان، لا سيما بعد نكبة "حرب الإسناد"، على عوامل لبنانية للحزب في حسابات المصالح، لا سيما لشيعة البلد عامة ولبيئة الحزب خاصة. غير أن الحزب بقي مخلصاً لأوهامه، مطيعاً من دون نقاش لأسياده في طهران على نحو يجافي ما كان يُزعَم عن خصوصيته وحتى شراكته في صناعة القرار في إيران. فحين يأتي أمر العمليات، ينفّذه الحزب من دون تردد دفاعاً عن الجمهورية الإسلامية حتى بعد غياب وليّها.

يثبت الحزب أنه مجرد ذراع فيما يتوعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحرمان إيران من "الأذرع... والأرجل". من باشر حرباً جديدة من لبنان لا يمكن إلا اعتباره جهة نافرة عن قماشة البلد وناسه. ولئن كان يتحسّس بعض الشيعة، ومنهم معارضون للحزب، من تعبير "الاحتلال"، فإن التعبير ينزع إلى موضوعية في وصف تنفيذ أمر إعدام للبلد صادر عن بلد أجنبي. وإذا ما أُسمي إسقاط نظام الأسد في سوريا "تحريراً"، فحريّ عدم الخجل من قيام الدولة بتحرير البلد من "وصاية" فقدت سطوتها بعد أن فقدت أخلاقية بقائها.

شيعة لبنان مكوّن عريق مؤسّس للكيان اللبناني منذ ما قبل ولادة الحزب وقبله الجمهورية الإسلامية. ولئن تستدرج مغامرة الحزب الجديدة مأساة جديدة ضد لبنان واللبنانيين، لا سيما الشيعة منهم، فإن تصدي الحكومة لـ "الخارجين عن القانون" هو من أبجديات لزومية الدولة. كما أن ضرب المهوّلين بحرب أهلية هو من واجباتها البديهية لصون أمن البلد وأهله ولُحمة مجتمعه.

لا تأتي قرارات الحكومة منعزلة عن سياق إقليمي ودولي لا يمكن للبنان أن يبقى خارجه. وأياً كانت أهداف الحرب ضد إيران، بما فيها إضعاف أو إزاحة نظامها، فحريّ أن لا يربط لبنان مصيره بمصير حزب يربط وجوده بوجود نظام الوليّ الفقيه ومتانته. وحريّ بالدولة أن تتموضع وفق مزاج دولي عام، يشمل حتى روسيا والصين. مزاج متأرجح بين تأييد للحرب أو رفضها أو التحفّظ بشأنها. لكن شبه إجماع يسود على ضرورة زوال "الحالة" الإيرانية التي صارت نافرة لا تتّسق مع قواعد النظام الدولي وغير مفيدة لصراعاته.

بات لبنان، على يد الحزب، جزءاً من الحرب، وعليه أن يختار وفق ذلك تموضعه لما فيه مصلحة البلد ومجتمعه. الأمر يتّسق مع ما وعد به خطاب القسم والبيان الوزاري، ويلاقي رغبة الغالبية العظمى من اللبنانيين بمن فيهم شيعة البلد. تستعيد الدولة موقعها في لحظة تاريخية دولية لصالح لبنان وتحظى باحتضان إقليمي دولي نادر.