لبنان فوق الأرض… ودولة أخرى تحت الأرض


مدينة الأنفاق التي عاشت لعقود تحت أعين الدولة: من سمح؟ من غطّى؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟

بقلم: فرنسوا الجردي

ليست القضية اليوم مجرد أنفاق اكتُشفت، ولا مجرد منشآت عسكرية حفرت في باطن الأرض. القضية أكبر بكثير، وأخطر بكثير: كيف أمكن أن تنشأ، على مدى سنوات وعقود، بنية عسكرية وأمنية موازية داخل الأراضي اللبنانية، فيما كانت مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والسياسية قائمة وموجودة؟

من حفر الأنفاق؟
من موّلها؟
من أشرف على تنفيذها؟
من أمّن المواد والآليات والخبرات؟
من عرف وسكت؟
ومن كان يملك المعلومات ولم يتحرك؟

هذه ليست أسئلة إعلامية عابرة. إنها أسئلة دولة، وأسئلة سيادة، وأسئلة مسؤولية تاريخية وسياسية وأمنية.

فالأنفاق لا تُحفر بقلم رصاص، ولا تُبنى في ليلة واحدة. إنها تحتاج إلى أعمال هندسية، وآليات، ومواد بناء، ويد عاملة، ونقل، وتمويل، وتخطيط، وحماية، وإدارة لوجستية متواصلة.

وعندما نتحدث عن مدينة عسكرية تحت الأرض، فنحن لا نتحدث عن مخبأ فردي أو مستودع سري صغير، بل عن بنية تحتاج إلى سنوات من العمل والاستثمار والتنظيم.

وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية الدولة.

أولاً: السؤال الأخطر ليس من حفر… بل كيف سمحت الدولة بأن يُحفر؟

على مدى عقود، كان لبنان يمتلك جيشاً، وأجهزة أمنية، واستخبارات، ومؤسسات إدارية، وبلديات، وحواجز، ونقاط مراقبة، وأجهزة رقابية.

فكيف يمكن لمشروع بهذا الحجم أن يبقى خارج دائرة الرصد الرسمي؟

إذا كانت الدولة لم تكن تعلم، فهذه كارثة أمنية واستخبارية.

وإذا كانت تعلم ولم تتحرك، فهذه كارثة سياسية وأمنية أكبر.

وإذا كان بعض المسؤولين يعلمون ويغضّون الطرف، فهنا نكون أمام مسؤولية مباشرة تستوجب التحقيق والمساءلة.

أما أن تمر عقود كاملة ثم يُطلب من اللبناني أن يتعامل مع وجود بنية عسكرية موازية وكأنه أمر طبيعي، فهذا يعني أن هناك خللاً عميقاً أصاب مفهوم الدولة نفسه.

ثانياً: دولة فوق الأرض… وكيان عسكري تحتها

المشكلة ليست في وجود منشأة عسكرية فحسب.

المشكلة تبدأ عندما تصبح هناك بنية تحتية مستقلة عن الدولة، لها خرائطها الخاصة، وقيادتها الخاصة، ومخازنها الخاصة، ووسائل اتصالها، وممراتها، ومواقعها اللوجستية، وتعمل خارج منظومة القرار الرسمي.

عندها لا يعود الأمر مجرد امتلاك سلاح خارج الدولة.

نصبح أمام منظومة متكاملة تعمل بمنطق الدولة داخل الدولة.

الدولة تملك الطرق فوق الأرض، بينما جهة أخرى تمتلك طرقاً تحت الأرض.

الدولة تملك المؤسسات الرسمية، بينما جهة أخرى تملك غرف عملياتها.

الدولة تملك الجيش، بينما جهة أخرى تملك منظومتها العسكرية.

الدولة تعلن موقفها السياسي، بينما جهة أخرى تستطيع أن تفرض على لبنان واقعاً أمنياً وعسكرياً مختلفاً.

وهنا تصبح السيادة اللبنانية ناقصة ليس لأن الدستور ناقص، بل لأن قراراً موازياً أصبح قائماً على الأرض وتحت الأرض.

ثالثاً: أين كانت الأجهزة؟

هذه هي النقطة التي لا يجوز دفنها مع الأنفاق.

أين كانت الأجهزة الأمنية؟

أين كانت الاستخبارات؟

أين كانت التقارير الدورية؟

أين كانت أجهزة المراقبة؟

أين كانت البلديات؟

أين كانت الأجهزة الإدارية المعنية بأعمال البناء والحفر؟

وأين كانت السلطة السياسية التي يفترض أن تتلقى التقارير الأمنية وتحوّلها إلى قرارات؟

لا يجوز أن ينتهي النقاش عند القول إن هذه المنشآت كانت سرية.

السرية تفسّر صعوبة الاكتشاف، لكنها لا تلغي مسؤولية الدولة عن حماية أراضيها.

وإذا كانت أجهزة الدولة عاجزة عن اكتشاف بنية عسكرية ضخمة تتوسع على مدى سنوات، فهذه مسؤولية يجب أن تُبحث علناً.

أما إذا كانت بعض الجهات الرسمية تعرف، أو كانت لديها معلومات جزئية أو كاملة، ثم اختارت عدم المواجهة، فالمسألة تنتقل من التقصير إلى المساءلة السياسية والأمنية.

رابعاً: الصمت ليس دائماً حياداً… وأحياناً يصبح شراكة في المسؤولية

لسنوات طويلة، جرى التعامل مع مسألة السلاح خارج الدولة تحت عناوين متعددة:

المقاومة.

الردع.

التوازن.

الخشية من الفتنة.

عدم القدرة على المواجهة.

الخوف من الحرب الأهلية.

لكن كل هذه العناوين لا تستطيع أن تلغي سؤالاً واحداً:

متى يتحول التغاضي عن أمر واقع مسلح إلى تخلٍّ عن مسؤولية الدولة؟

قد يكون مسؤول ما عاجزاً عن المواجهة.

وقد تكون حكومة ما خائفة من الانفجار الداخلي.

وقد يكون جهاز أمني ما مقيداً بقرار سياسي.

لكن تراكم العجز والصمت والتسويات على مدى سنوات لا يصنع دولة.

بل يصنع أمراً واقعاً.

والأخطر أن الأمر الواقع، عندما يستمر طويلاً، يتحول تدريجياً إلى نظام موازٍ.

خامساً: الرؤساء والحكومات والأجهزة أمام سؤال التاريخ

لا يجوز تحميل مسؤولية عقود كاملة لشخص واحد أو حكومة واحدة.

المسؤولية، إذا ثبت وجود تقصير أو تغاضٍ، يجب أن تُبحث مرحلة بمرحلة، وحكومة بحكومة، ومسؤولاً بمسؤول، وجهازاً بجهاز.

من كان في السلطة عندما توسعت هذه البنية؟

من كان يتولى وزارة الدفاع؟

من كان مسؤولاً عن الداخلية؟

من كان يقود الأجهزة الأمنية؟

ما التقارير التي رفعت؟

ما التقارير التي لم تُرفع؟

ما المعلومات التي وصلت إلى السلطة السياسية؟

وما القرارات التي اتخذت بناءً عليها؟

وهل كانت هناك أوامر سياسية بعدم الاقتراب من هذه الملفات؟

هذه الأسئلة ليست انتقاماً من أحد.

إنها الحد الأدنى من شروط معرفة الحقيقة.

فالعدالة لا تبدأ بالسؤال: من نريد أن نُدين؟
بل تبدأ بالسؤال: ماذا حدث فعلاً، ومن كان مسؤولاً عن ماذا؟

سادساً: أخطر ما في "المدينة السفلية" أنها لم تكن تحت سيطرة الدولة

لو كانت الدولة تعرف كامل تفاصيل هذه البنية وتمتلك خرائطها، لكان الأمر مختلفاً.

أما أن توجد منشآت عسكرية داخل الأراضي اللبنانية لا تملك مؤسسات الدولة خرائطها الكاملة أو القدرة على التحكم بها، فهذا يعني أن الدولة لا تعرف بالكامل ما يجري في جزء من أرضها.

وهنا تصل المسألة إلى جوهر السيادة:

السيادة ليست أن ترفع الدولة علمها فوق الأرض فقط.

السيادة تعني أن تعرف الدولة ما يجري تحت الأرض أيضاً.

أن تعرف أين توجد المنشآت العسكرية.

أن تعرف أين تخزّن الأسلحة.

أن تعرف من يتحرك على أراضيها.

وأن يكون قرار الحرب والسلم في يد المؤسسات الدستورية، لا في يد تنظيم أو قوة مسلحة أياً كان اسمها.

سابعاً: اللبنانيون لا يجب أن يدفعوا ثمن خرائط لا يملكونها

المواطن اللبناني ليس طرفاً في أي قرار عسكري لم يُستشر به.

ولا يجوز أن تتحول الأحياء السكنية إلى ساحات مواجهة بسبب وجود بنية عسكرية لا يملك المواطن معلومات عنها.

ولا يجوز أن يجد اللبناني نفسه أمام معادلة خطيرة:

قرار عسكري خارج الدولة، ونتائجه تقع على الدولة والمجتمع والناس.

إذا كانت هناك بنية عسكرية قائمة، فمن حق الدولة اللبنانية أن تعرف تفاصيلها.

ومن حق الجيش اللبناني أن يمتلك المعلومات اللازمة لحماية المدنيين.

ومن حق اللبنانيين أن يعرفوا، ضمن ما تسمح به الضرورات الأمنية، أين تكمن المخاطر التي يمكن أن تهددهم.

أما إبقاء الخرائط والمعلومات العسكرية الحساسة خارج مؤسسات الدولة، فهو استمرار لمنطق الدولة الموازية.

ثامناً: المسؤولية لا تسقط بالتقادم

بعد كل هذه السنوات، لا يكفي أن نقول:

"لم نكن نعلم."

ولا يكفي أن يقول مسؤول:

"لم يكن بإمكاننا أن نفعل شيئاً."

ولا يجوز أن يتحول الخوف من الفتنة إلى بطاقة إعفاء دائمة من المسؤولية.

إذا ثبت أن أجهزة أو مسؤولين امتلكوا معلومات جوهرية ولم يتصرفوا وفق صلاحياتهم، فيجب أن تتم مساءلتهم.

وإذا ثبت أن مسؤولين سياسيين تدخلوا لمنع الأجهزة من القيام بواجباتها، فهذه قضية أخطر تستوجب التحقيق.

وإذا ثبت أن أحداً سهّل إنشاء هذه البنية أو حماها أو أخفى معلومات عنها، فيجب أن يتحمل مسؤوليته وفق القانون.

الدولة لا تستطيع أن تطلب من المواطن احترام القانون بينما تتجاهل هي نفسها خروقات خطيرة لسيادتها.

تاسعاً: المطلوب ليس الانتقام… بل كشف الحقيقة

لبنان لا يحتاج إلى حملة تصفية سياسية.

ولا يحتاج إلى محاكمات إعلامية.

بل يحتاج إلى تحقيق وطني وقضائي ومؤسساتي جدي يجيب بوضوح عن الأسئلة التي بقيت معلقة لعقود.

يجب تحديد:

1. طبيعة وحجم البنية التحتية العسكرية التي أُنشئت خارج سيطرة الدولة.
2. المراحل الزمنية التي جرى خلالها إنشاؤها وتوسيعها.
3. الجهات التي كانت على علم بها.
4. التقارير الأمنية التي تناولتها، إن وجدت.
5. المسؤولين الذين تلقوا تلك المعلومات.
6. أي تدخل سياسي منع الأجهزة من القيام بواجباتها.
7. كيفية إدخال المواد والآليات والمعدات اللازمة لإنشاء هذه المنشآت.
8. الجهات التي تولت التمويل والإدارة والحماية.
9. حجم المعلومات التي تملكها الدولة اليوم عن هذه المنشآت.
10. الإجراءات الواجب اتخاذها لإعادة كامل القرار العسكري والأمني إلى المؤسسات الشرعية.

عاشراً: لبنان لا يمكن أن يكون له جيشان… ولا دولتان

المشكلة الحقيقية ليست في أن هناك شيئاً تحت الأرض.

المشكلة أن هناك منظومة كاملة كان يفترض أن تكون الدولة صاحبة القرار فيها، لكنها نشأت خارج سيطرتها.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:

لا يمكن بناء دولة حديثة بمنطق وجود جيش رسمي وجيش موازٍ.

ولا يمكن حماية السيادة بقرارين عسكريين.

ولا يمكن أن تكون للحكومة خريطة سياسية بينما تمتلك جهة أخرى خريطة عسكرية.

ولا يمكن أن يكون الجيش مسؤولاً عن حماية لبنان بينما لا يملك كل المعطيات التي تسمح له بممارسة هذه المسؤولية.

الخلاصة: آن أوان الحساب السياسي

إن أخطر ما تكشفه قضية الأنفاق ليس ما يوجد تحت الأرض فقط، بل ما كان غائباً فوق الأرض: القرار، والرقابة، والمساءلة.

لقد عاش لبنان طويلاً في ظل معادلة خطيرة:

دولة تعرف أقل مما يجب، وسلطة مسلحة تعرف أكثر مما يجب.

هذه المعادلة يجب أن تنتهي.

ليس المطلوب فتح ملفات الماضي بدافع الانتقام، بل لأن الدولة التي لا تحاسب على أخطائها تعيد إنتاجها.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو فتح ملف "المدينة السفلية" بكل شفافية، وتحديد المسؤوليات السياسية والأمنية والإدارية والقانونية، بعيداً عن المحميات الطائفية والحزبية والسياسية.

من عرف وسكت يجب أن يُسأل.
من عرف وغطّى يجب أن يُحاسب.
من قصّر في واجبه يجب أن يتحمل مسؤوليته.
ومن منع الدولة من القيام بدورها يجب أن يُحاسب وفق القانون.

أما أن يُطلب من اللبناني أن ينسى كل شيء بحجة أن المرحلة حساسة، فهذا يعني ببساطة أن لبنان سيبقى يدفع ثمن الأخطاء نفسها جيلاً بعد جيل.

فالدولة لا تُبنى فوق الأنفاق.

والسيادة لا تُحفر تحت الأرض.

والجيش لا يمكن أن يكون جيشاً لدولة تملك جماعة أخرى فيها جيشاً موازياً.

إما أن تكون هناك دولة واحدة، بجيش واحد، وقرار أمني وعسكري واحد، وسلطة واحدة على كامل التراب اللبناني…

وإما أن تبقى الدولة مجرد واجهة فوق أرض تحكمها في العمق منظومات أخرى.

لقد آن أوان فتح الملف.
آن أوان كشف الحقيقة.
آن أوان تحديد المسؤوليات.
وآن أوان أن تصبح الدولة دولةً فعلاً… فوق الأرض وتحتها.