لبنان فوق "حبل مشدود"... إيران لن "تعفيه" وإسرائيل "المعركة لم تنته"

بدت بيروت اليوم الثلاثاء، عيْناً على مسار «الخنْق» الأقصى لإيران مالياً وتجارياً عبر عملية «المنبوذ الاقتصادي» الأميركية وارتداداته المحتملة إقليمياً على لبنان، وعيْناً أخرى على «شبْك» إسرائيل مع طلائع «الحرب الباردة والكاسِرة» مع طهران وإطلاقها إشاراتٍ تشي بـ «شدِّ الخناق» على الوطن الصغير لتثبيت شروطها بملف التفاوض المباشر بين البلدين والذي يشكّل السحْبُ الكامل لسلاح حزب الله «الرمز السري»، الذي لم يَعد سراً، لفتْح باب الحلّ النهائي المنشود.

وفي حين انهمك العالم والمنطقةُ في تفكيك مَضامين سلّة الإجراءات والعقوبات الأميركية الرامية إلى تجفيف الشرايين المالية والتجارية الباقية لإيران واستهداف «الاقتصاد الشبَح» وتفكيكه أينما وُجدتْ أدواته، فإن لبنان وَجَد نفسه معنياً بالتحوّط لارتجاجاته التي يُخشى أن تزداد تباعاً، وذلك في ضوء ارتباطه به عبر «فتيليْن» يتعيّن عليه التحسب لهما وقطْعهما:

- الأول «تقني» انطلاقاً من الأبعاد الخطيرة التي ستترتّب على أي «تَسَرُّبٍ» في الامتثال لموجباتِ «النورماندي الاقتصادي» بوجه إيران من خلال «الترسبات» التي مازالت قائمةً لمرحلة نفوذها المفرط في لبنان عبر «حزب الله»، وهو ما لن تتسامح معه واشنطن التي وضعتْ كل الدول أمام معادلة «لستم معنا، أنتم ضدّنا».

وتصبح مَهمة لبنان في هذا الإطار أكثر حراجةً في ضوء التحديات الكبرى التي يطرحها تصنيف واشنطن المحدّث لحزب الله كـ«وكيل لإيران» (وليس كياناً مستقلاً)، بحيث ان «التوأمةَ» التي كرّسها هذا التصنيف بينه وبين طهران يجعل أي تلكؤٍ عن التصدّي للقنوات المالية أو التجارية التي قد تُستخدم لمصلحتهما بمثابة توريطٍ للدولة اللبنانية مع دولة أجنبية خاضعة لأقصى العقوبات.

- والثاني عسكري، في ضوء الإشارات التي تَصدر عن إيران وتشي بأنها تضع كل الخياراتِ على الطاولة في حال استشعرت بأن «الانزال الاقتصادي» الأميركي يَقتضي مواجهته على طريقة «حياة أو موت»، وسط اعتقادٍ أن أي هروب إلى الأمام قد تلجأ إليه طهران في المنطقة لن يكون لبنان بمنأى عنه بل سيكون «جبهةً أماميةً» فيه، رغم الضمور الكبير في وضعية حزب الله العسكرية والذي لم يَعُد يجد حرجاً في تكرار تظهيره - ولو لتأكيد أن مركز الثقل التفاوضي والردعي انتقل بالكامل إلى «المحور» وعلى قاعدة «مركزيةٍ» (إيرانية) ضمن تعدّدية الساحات المتقلّصة - كما فعل النائب حسن عز الدين، أخيراً بقوله «إن المقاومة مازالت تشكل ردعاً نسبياً، على الأقل، في ما لو أراد هذا العدو أن يوسّع احتلاله».

ولم يكن عابراً أن تلاقي إسرائيل الخطر العسكري المتعاظم في هذه اللحظة الإقليمية الشديدة الحساسية، عبر تأكيد رئيس أركانها إيال زامير، خلال جولة ميدانية في قطاع غزة «أن جيش الدفاع مستعد ومتأهب على جميع الجبهات، ولن نسمح لأعدائنا على الحدود، ولاسيما في غزة ولبنان، بإعادة بناء قوتهم من جديد. بل سنواصل العمل على إضعافهم بصورة هجومية ومنهجية. ولن نسمح للبنى التحتية الإرهابية بالترسخ. وسنستغلّ كل فرصة لإزالة التهديدات في طور نشوئها. نحن نطبّق الدروس المستخلصة، وقد غيّرنا نهجنا، ولن يعود جيش الدفاع إلى ما كان عليه في 6 أكتوبر».

وتَرافَقَ هذا الموقف مع ما أعلنه مصدرٌ عسكري إسرائيلي من «أن حزب الله تَعَرَّضَ لأضرار كبيرة لكنه لايزال قائماً كتنظيم، والمعركة معه لم تنتهِ بعد ونأمل ألا نضطر للعمل عسكرياً في عمق لبنان».

وما يجعل بيروت أمام منعطفٍ دقيق أن مجمل هذه الفتائل تتشابك في ظلّ عدم اكتمال عناصر استئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل التي ترعاها الولايات المتحدة والتي تضرب جولتُها الثامنة موعداً نظرياً في سبتمبر (في روما)، وسط اعتقادٍ أن «رسالةَ» تل أبيب والتلويح بالعودة «للعمل عسكرياً في عمق لبنان» تنطوي على بُعدين متوازييْن:

- مخاطبة الدولة اللبنانية وحزب الله بأن أي انخراطٍ جديد في حرب لإسناد إيران ستجعل إسرائيل في حلّ من التزاماتها تجاه واشنطن بخفض التصعيد وتحييد العمق، أي الضاحية الجنوبية لبيروت وربما العاصمة نفسها عن الاستهداف، رغم الاقتناع بأن «القرار» في هذا الأمر لا تملكه تل أبيب بل يبقى في يد الرئيس دونالد ترامب.

- الضغط لانتزاعٍ تراجعاتٍ من المفاوضين اللبنانيين تتصل بآلية التحقق التي يُعمل عليها لتصبح حاكمة للمناطق التجريبية التي نصّ عليها «الاتفاق الإطار» الموقّع بين بيروت وتل أبيب وواشنطن (26 يونيو) والتي باتت الناظمَ للانسحاب التدريجي الإسرائيلي مقابل السحب الموازي من الجيش اللبناني لسلاح حزب الله من كل نطاقٍ (بدأ المسار من زوطر الغربية، فرون وصريفا) ومنعه من العودة إليه.

وفي غمرة تَقَدُّمِ دور روما في مسار التفاوض اللبناني - الإسرائيلي، ليس فقط عبر استضافتها الجولات التنفيذية للاتفاق – الإطار (عُقدت فيها حتى الآن الجولتان السادسة والسابعة من المفاوضات) بل أيضاً عبر ترجيح قيادتها آلية التحقق المتعددة الجنسية، لم يكن عادياً أن تعود فرنسا إلى الملف اللبناني الذي أبعدتْها عنه واشنطن وتل أبيب، من خلال استبعادها عن آليات التنسيق العسكري والرقابة التي كانت جزءاً منها عبر لجنة الميكانيزم (للإشراف على تطبيق اتفاق وقف النار - نوفمبر 2024)، كما رفْضِ أن تكون «قاطرةَ» آليةِ التحقّق المنبثقة من «الاتفاق الإطار».

بيان قمة باريس

وتظهّرتْ «عودة» فرنسا مع البيان المشترك الذي صدر في أعقاب الزيارة الاستثنائية التي قام بها ولي العهد رئيس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان لباريس وقمته مع الرئيس ايمانويل ماكرون والتي عاودت الإضاءة على الشراكة السعودية - الفرنسية في مقاربة ملف لبنان ومرتكزات الحلّ فيه.

واستوقف أوساطاً مطلعة مضمون البند المتعلق بلبنان في البيان الذي أشار إلى «أن الجانبين اتفقا على تكثيف جهودهما للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه»، وأشادا بالخطوات التي اتخذها فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية السيد جوزاف عون، والحكومة اللبنانية برئاسة دولة رئيس الوزراء السيد نواف سلام، لإعادة بناء مؤسسات الدولة وبسط سلطتها.

والأبرز كان أن محمد بن سلمان وماكرون «جددا التزامهما دعم القوات المسلحة اللبنانية والأجهزة الأمنية، بهدف تمكينها من أداء مسؤولياتها الوطنية بشكل كامل»، وشددا على أهمية التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الرقم 1701، وضرورة إتمام نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة بشكل كامل. وأكدا على ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية.

ووفق الأوساط المطلعة فإن هذا البند شكّل خريطة طريق واضحة للبنان لكيفية بلوغ «حلّ نهائي» مرتكزه النزع الكامل لسلاح «حزب الله» وانسحاب إسرائيل الكامل، والقرار 1701 كمرجعية ناظمة، هو الذي يشتمل على كل القرارات ذات الصلة بالسلاح (وأبرزه الـ1559) وذكر اتفاق الهدنة الذي ورد في البند 5 من الفقرة التنفيذية حيث ﺟدّد مجلس الأمن دﻋﻣﻪ اﻟﻘوي، لسلامة أراضي لبنان ﻟﺑﻧﺎن وﺳﯾﺎدﺗﻪ واﺳﺗﻘﻼﻟﻪ اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ ﺿﻣن ﺣدودﻩ اﻟﻣﻌﺗرف ﺑﻬـﺎ دوﻟﯾﺎ، ﻛﻣﺎ ﻫو ﻣﻧﺻوص ﻋﻠﯾﻪ في اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 مارس 1949.

واكتسب الموقف السعودي - الفرنسي أهميته ايضاً لأنه جاء قبل نحو 3 أسابيع من الاجتماع التحضيري الذي يُعقد في باريس بتنظيم مشترك مع الأردن، تمهيداً لمؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي كان مقرراً في مارس الماضي ولكن الحرب في المنطقة أرجأته.

وفي حين شكل البيان المشترك للقمة سقفاً للاجتماع التحضيري الذي ستحضره دول مانحة ووفود عسكرية وخبراء، بمعنى أن دعم القوات المسلحة اللبنانية سيكون في إطار مهماتها المتصلة بتعزيز سيادة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها، فإنّ الأوساط نفسها سألت هل تكون زيارة ولي العهد السعودي ومضمون البيان الختامي مؤشراً إلى أن المملكة قد تشكل رافعة للاجتماع التحضيري ثم لمؤتمر الدعم في ذاته، وهل يسهّل ذلك أن تخفّف واشنطن من عدم الارتياح له ربطاً برغبتها في«سحْب»باريس من الملف اللبناني.