المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الأحد 9 آب 2026 00:42:25
يستعد مجلس النواب في جلسته التشريعية المرتقبة يومي الثلاثاء والأربعاء لخوض استحقاق إنساني مفصلي من شأنه إعادة رسم ملامح العدالة الجنائية للأحداث في لبنان. ويبرز في جدول أعمال الجلسة مشروع القانون الذي أعلنه وزير العدل عادل نصار في شباط الماضي، بعد موافقة مجلس الوزراء بالإجماع، وينص بالدرجة الأولى على رفع سن المسؤولية الجزائية من سبع سنوات إلى أربع عشرة سنة.
يهدف هذا التعديل إلى معالجة خلل تاريخي دائمًا ما وضع المنظومة القانونية في موقع الحرج أمام المحافل الحقوقية والاتفاقيات الدولية، وتحديدًا "اتفاقية حقوق الطفل" التي تُشدد على ضرورة توفير حماية خاصة للأطفال وإبعادهم عن المحاكمات الجنائية.
المسار التاريخي
منذ العقود الماضية، عانى نظام عدالة الأحداث في لبنان من ثغرات كبيرة. فقانون العقوبات اللبناني لعام 1943 يعتمد مقاربة تقليدية تقوم على المسؤولية والعقاب والتعامل مع الأطفال في أعمار مبكرة كمسؤولين عن أفعالهم أمام القانون.
كان أول تعديل هام لهذه الثغرات هو صدور القانون 422 في عام 2002 والمتعلق بـ "حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر". يومذاك خطت الدولة اللبنانية خطوة متقدمة حين أخرجت أحكام الأحداث من قانون العقوبات العام ووضعت لها نصًا خاصًا. وعلى الرغم من أن هذا القانون حدد مفاهيم الرعاية والحماية وجعل للأحداث قضاءً متخصصًا وهي قاضي الأحداث، لكن بقيت ثغرة أساسية تمثلت في إبقاء سن المسؤولية الجزائية عند عمر السابعة.
بحسب القانون الحالي، يُعتبر الطفل الذي لم يتمم السابعة من عمره غير مسؤول جزائيًا عن أي جرم يرتكبه، لكن بمجرد بلوغه سن السابعة، يُصبح خاضعًا للملاحقة وتطبيق التدابير التأديبية والحماية القانونية عبر القضاء الجزائي وتصدر الأحكام القضائية بحقه وتسلب حريته. هذا السنّ المنخفض جعل لبنان من الدول القليلة التي تسمح باحتكاك أطفال في سن المدرسة الابتدائية بالجهات القضائية والأمنية، بما يعنيه ذلك من تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة قد ترافقه لسنوات طويلة.
الانتقال من ملاحقة الطفل إلى حمايته
يؤكد مصدر قضائي لـ"المدن" أن رفع سن المسؤولية الجزائية من سبع سنوات إلى أربع عشرة سنة يشكل إصلاحًا جوهريًا في السياسة الجزائية الخاصة بالأحداث في لبنان.
ويوضح المصدر أن أهمية المشروع تكمن في أنه "ينقل نقطة الانطلاق من مساءلة الطفل جزائيًا في سن مبكرة جدًا إلى اعتماد مقاربة تقوم على الحماية والوقاية والتأهيل وإعادة الإدماج".
ويضيف: "لا تقتصر أهمية المشروع على تعزيز حقوق الطفل، بل تمتد إلى حماية المجتمع نفسه من خلال معالجة العوامل المؤدية إلى الجنوح في مرحلة مبكرة، والحد من الاحتكاك المبكر بالنظام الجزائي، وتقليص احتمالات العودة إلى ارتكاب الجرائم".
لكن المصدر يربط النجاح الفعلي بالواقع التطبيقي، ويشدد على أن "نجاح هذا الإصلاح يبقى مشروطًا بإنشاء منظومة فعالة من التدابير الاجتماعية والتربوية والنفسية والقضائية البديلة، كي لا يؤدي رفع سن المسؤولية إلى فراغ في الحماية، بل إلى إعادة تعريف مسؤولية الدولة تجاه الطفل والمجتمع معًا".
تصحيح سن الملاحقة الجزائية
من جانبه، يضع القاضي المشرف على مديرية السجون في وزارة العدل، رجا أبي نادر المشروع في سياقه القانوني والإنساني المباشر. ويؤكد في حديث لـ"المدن" أن "المشروع الذي قدمه وزير العدل ووافق عليه مجلس الوزراء بالإجماع، في السابع من شباط الماضي، يمثل خطوة مهمة جدًا لأنه يصحح سن الملاحقة المنخفض والسيئ للغاية في لبنان، إذ إن تحديد السابعة كسن للمسؤولية منخفض جدًا يحسب المعايير الدولية".
ويرى القاضي أبي نادر أن رفع السن إلى 14 سنة هو "إلتزام صريح بالمعايير الدولية، وانطلاق حقيقي من مفهوم العقاب الموجه لإعادة التأهيل لا الانتقام. هذا التعديل سيكون البديل الفعلي عن ملاحقة الطفل وإصدار أحكام بحقه، إذ كيف يمكن لمجتمع أن يعتبر طفلًا في الثامنة من عمره مسؤولًا جزائيًا ويحاكمه؟ الطفل في هذا العمر لا يملك النضج النفسي أو الإدراكي الذي يتيح تحميله مسؤولية جزائية كاملة".
ويضيف أبي نادر لـ"المدن" أن التشريع الجديد "سيفتح المجال واسعًا أمام قضاة الأحداث للجوء إلى مقاربات الحماية والدعم النفسي، والبحث في عمق المشاكل العائلية والاجتماعية التي يواجهها الطفل، وإجبار قاضي الأحداث والجهات المختصة على التركيز على الجانب النفسي للطفل".
وحول البدائل العملية للعقوبات التقليدية، يوضح القاضي أبي نادر: "البديل عن إصدار العقوبة هو اللجوء المباشر إلى الحماية عبر المندوبة الاجتماعية التي تتولى المتابعة والزيارات الميدانية. وبدلًا من الغرامات والعقوبات وسلب الحرية، نساعد الطفل عبر برامج تأهيلية تضمن ألا يفقد الطفل حريته في مرحلة مبكرة من حياته".
ويلفت أبي نادر إلى التحديات التي قد تعيق التنفيذ في ظل الأزمة الاقتصادية التي تطوق عمل مؤسسات الدولة شارحاً: "سنعمل بالحد الأقصى المتاح وبقدر الإمكانيات المادية واللوجستية الموجودة في أيدينا لضمان تطبيق هذه المقاربة بشكل فعال".
يبقى القرار الآن تحت قبة مجلس النواب يومي الثلاثاء والأربعاء، حيث يُنتظر من النواب حسم هذا الملف وتوفير الإطار القانوني واللوجستي لضمان الانتقال من نص تشريعي متطور إلى واقع يحمي أطفال لبنان ويضمن إعادتهم إلى المجتمع بدلًا من زجهم في السجون.