المصدر: النهار
الجمعة 28 آب 2026 10:17:43
كتب د. علي حمّود - باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد في النهار
أقرّ مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون إعادة هيكلة المصارف، في خطوة طال انتظارها داخلياً وخارجياً، ورحّب بها صندوق النقد الدولي باعتبارها تقدماً مهماً على طريق إصلاح القطاع المالي. لكن أهمية القرار لا تكمن في عنوانه فقط، بل في ما سيأتي بعده: كيف ستُوزَّع الخسائر، ومن سيدفع ثمن الانهيار المالي الذي دخل عامه السابع؟
تهدف التعديلات إلى تعزيز الإطار القانوني لمعالجة أوضاع المصارف المتعثرة، بما في ذلك إعادة هيكلة المصارف القابلة للاستمرار وتصفية المؤسسات غير القابلة للحياة، مع تعزيز دور الجهات الرقابية في الإشراف على هذه العملية. ويرى صندوق النقد أن وجود إطار واضح وفعّال لمعالجة المصارف يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة وإعادة الائتمان إلى الاقتصاد اللبناني. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن إقرار قانون إعادة الهيكلة ليس نهاية المسار، وأن تطبيقه يجب أن يترافق مع إصلاحات أوسع، وفي مقدمها قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين إعادة هيكلة المصارف واسترداد الودائع. فإعادة الهيكلة تحدد كيفية إنقاذ المصارف القابلة للحياة أو إخراج المصارف غير القابلة للاستمرار من السوق، لكنها لا تعني تلقائياً إعادة أموال المودعين. أما القضية الأكثر حساسية فتتمثل في تحديد حجم الخسائر وتوزيعها.
في عام 2023، قدّر صندوق النقد إجمالي الخسائر في النظام المالي اللبناني، أي خسائر مصرف لبنان والمصارف التجارية، بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم كان يعادل أكثر من 300% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر لعام 2022. وأكد الصندوق أن تحديد الحجم النهائي للخسائر يحتاج إلى تقييم شامل لجودة أصول المصارف وإتمام إعادة هيكلة الدين العام.
والأخطر أن التأخير له تكلفة مباشرة على المودعين. فقد خلص تحليل لصندوق النقد إلى أن تأجيل إعادة هيكلة القطاع المالي بين آذار 2020 وكانون الثاني 2023 أدى إلى انخفاض الودائع الأجنبية القابلة للاسترداد، وقدّر الخسارة الإضافية بنحو 10 مليارات دولار. ووفق السيناريو الذي عرضه الصندوق، انخفضت الودائع الأجنبية القابلة للاسترداد من نحو 96 مليار دولار في آذار 2020 إلى نحو 40 مليار دولار في كانون الثاني 2023.
لذلك، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت إعادة الهيكلة ضرورية؛ فهي ضرورية بالفعل. السؤال هو: من يتحمل الخسائر؟
هنا يضع صندوق النقد مبدأ واضحاً: يجب احترام ترتيب الدائنين، وألا يتحمل المودعون خسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة. كما ينبغي حماية المودعين الصغار قدر الإمكان، مع الحد من استخدام موارد الدولة، نظراً إلى وضع المالية العامة والدين العام.
لكن الخطر يكمن في أن تتحول إعادة الهيكلة إلى عملية محاسبية تُبقي المصارف على قيد الحياة، بينما يتحمل المودع الخسارة عبر قيود على السحب أو أدوات مالية طويلة الأجل. في هذه الحالة لن يكون الإصلاح علاجًا للأزمة، بل إعادة توزيع للخسائر على الحلقة الأضعف. فالمعيار الحقيقي ليس القيمة الاسمية للوديعة، بل قدرتها الفعلية على التحول إلى سيولة والحفاظ على قوتها الشرائية.
وتزداد حساسية المسألة بسبب العلاقة التاريخية بين القطاع المصرفي والنخب السياسية في لبنان، وهي قضية وثقتها دراسات وأبحاث سابقة. لكن من الضروري تجنب التعميم أو الادعاء بأن معظم النواب أو الأحزاب يملكون معظم
المصارف من دون أدلة حديثة ومحددة. المطلوب هو كشف هياكل الملكية والمصالح المرتبطة، وتعزيز استقلال الرقابة، وإجراء تدقيق شفاف يحدد المسؤوليات والخسائر.
إن إعادة الهيكلة الحقيقية يجب أن تبدأ بتحديد الخسائر مصرفاً بمصرف، وتقييم مستقل للأصول، وإعادة رسملة المصارف القابلة للحياة بأموال جديدة، وتصفية المؤسسات غير القابلة للاستمرار، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن المخالفات، واسترداد الأموال التي يمكن استردادها قانونياً. كما يجب أن يحمي نظام استرداد الودائع المودعين الصغار وألا يجعلهم خط الدفاع الأول عن نظام انهار نتيجة تراكم أخطاء الدولة والمصارف ومصرف لبنان.
ولهذا، فإن المطلوب ليس مجرد إعادة هيكلة مصرفية على الورق، بل إعادة بناء للنظام المالي على أسس مختلفة: الشفافية، المساءلة، رأس المال الحقيقي والرقابة المستقلة.
لبنان أمام فرصة تاريخية، لكن تصويت مجلس النواب ليس نهاية الأزمة؛ إنه بداية الاختبار. فإذا أدت إعادة الهيكلة إلى الاعتراف بالخسائر وتوزيعها وفق ترتيب عادل، وإعادة بناء رأس المال والثقة والائتمان، فقد تكون بوابة للتعافي. أما إذا استُخدمت لتمديد عمر النظام المصرفي من دون معالجة جذور الانهيار، فقد تتحول إلى هدنة مالية قبل انفجار اقتصادي ونقدي واجتماعي أكبر.