آلية ما بعد "اليونيفيل": خيارات الانتقال وسيناريوات الاستقرار جنوب لبنان

يُعدّ النقاش حول مرحلة "ما بعد اليونيفيل" من أكثر الملفات حساسية في الصراع اللبناني - الإسرائيلي. فالقوة الدولية لم تكن مجرد قوة مراقبة منذ انتشارها عام 1978 وتعزيز مهماتها بالقرار 1701 عام 2006، بل شكّلت جزءًا محوريًا من منظومة ضبط الإيقاع الأمني على الحدود.

ورغم عدم وجود قرار دولي بإنهاء مهمتها، فإن التطورات الميدانية منذ عام 2023 والضغوط الدولية المتزايدة، تجعل البحث في آليات الانتقال أمرًا ملحًا لمنع حدوث أي فراغ أمني.

أولًا: الوظائف الحيوية لـ"اليونيفيل"

لفهم كلفة أي انسحاب، يجب تحديد الدور الذي تؤديه هذه القوة.

-المراقبة الميدانية: لرصد الخروق ووقف الأعمال العدائية.

- دعم الجيش اللبناني: في الانتشار والسيطرة جنوب نهر الليطاني.

 -التنسيق الثلاثي: إدارة الاجتماعات الدورية في الناقورة لمنع التصعيد الميداني.

 -الدعم اللوجيستي والمجتمعي: تقديم المساعدات والسند التقني للمجتمعات المحلية.

إغلاق هذه الملفات فجأة قد يؤدي إلى كارثة أمنية، ما يفرض أن تكون هناك آلية بديلة تدريجية ومتعددة المستويات.

دور القوات البحرية (MTF): "اليونيفيل" لا تنتشر برًا فقط، بل تمتلك القوة البحرية الوحيدة لحفظ السلام في العالم لمراقبة المياه الإقليمية اللبنانية. أي أنها آلية بديلة يجب أن تأخذ في الحسبان تأمين السواحل والحدود البحرية، خصوصا مع دخول لبنان نادي الدول النفطية والغازية.

 الضغط الإسرائيلي والولايات المتحدة: غالبًا ما يثار ملف تقليص مهمات "اليونيفيل" أو تعديلها بضغط أميركي-إسرائيلي للمطالبة بـ "صلاحيات تفتيش أوسع" دون الاستئذان من الجيش اللبناني. وبالتالي، فإن أي تغيير في صيغة "اليونيفيل" قد لا يكون بقرار "إنهاء"، بل بفرص تعديل جوهري للولاية، يعطي المراقبين حرية الحركة، وهو ما يشكل نقطة تجاذب سياسي حاد داخليًا.

ثانياً: تسليم المسؤولية للجيش اللبناني

يُمثل نقل مهمات "اليونيفيل" إلى الجيش اللبناني السيناريو الأكثر واقعية، ويتطلب ذلك خطة عملية ترتكز على محورين:

أ - تعزيز القدرات والانتشار:

رفع عديد الجيش جنوب الليطاني، وتجهيزه بآليات حديثة للرصد، والاستطلاع الجوي (المسيّرات)، والهندسة العسكرية، والاتصالات المشفرة. لكن هذا الخيار يظل رهنًا بتوفير تمويل دولي مستدام للجيش في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

ب -  قيادة جنوبية موحدة:

إنشاء غرفة عمليات مشتركة تضم الجيش، والأمن العام، وقوى الأمن الداخلي، لتوحيد القرار الأمني ومنع تعدد المرجعيات على الحدود.

ثالثًا: البدائل المتاحة لآلية التنسيق والرقابة

تُعدّ "آلية الناقورة الثلاثية" من أهم مكاسب وجود "اليونيفيل"، وفي حال غيابها، يُمكن اعتماد أحد خيارين:

 بعثة أممية مدنية: إبقاء ممثل أممي وضباط ارتباط من الطرفين دون وجود عسكري ميداني مكثف.

 رعاية دولية بديلة: أن تتولى دولة أو مجموعة دول (الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو دولة أوروبية) دور الوسيط التقني تحت مظلة سياسية للأمم المتحدة. لكن خيار استبدال "اليونيفيل" بقوة أوروبية تابعة للاتحاد الأوروبي يواجه عقبات سياسية كبيرة، منها تردد الدول الأوروبية في تحمل مخاطر ميدانية عالية، واحتمال رفضه داخليًا باعتباره استبدالًا لوصاية بأخرى.

رابعًا: العقدة السياسية والقرار 1701

 أيّ آلية أمنية جديدة لن تكتب لها الحياة دون استنادها إلى القرار 1701، الذي ينص على حصرية  السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني.

 احترام الخط الأزرق ووقف الانتهاكات المتبادلة.

وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية المتعلقة بـ سلاح "حزب الله" ودوره العسكري. فالمجتمع الدولي يرتبط استقراره الدائم بتطبيق مبدأ احتكار الدولة للقرار الأمني والسلاح، وهو ما يحتاج إلى تفاهمات لبنانية - إقليمية واسعة.

خامسًا: خطة الانتقال الميداني

أ - القرار السياسي: إعلان دولي بجدول زمني يمتد من 12 إلى 24 شهرًا.

ب - التقييم الأمني: لجنة مشتركة تقيّم جاهزية الميدان والحاجات.

ج - نقل القدرات: تسليم مراكز المراقبة والمعدات للجيش اللبناني مع تدريب كوادره.

د -  بعثة مراقبةمدنية: تشكيل بعثة خفيفة غير مسلحة لرفع التقارير وتسهيل الاتصال.

ه - المراجعة الدورية: تقييم كل ٦ أشهر لقياس قدرة الجيش والسيطرة الميدانية.

سادسًا: المخاطر والتحديات

تواجه هذه الآلية الانتقالية ثلاثة مخاطر رئيسية:

 الفراغ الأمني: أي ثغرة أثناء الانسحاب قد تستغلها جماعات مسلحة أو تؤدي إلى تصعيد غير محسوب مع إسرائيل.

 أزمة التمويل: عجز الدولة عن تحمل تكاليف التشغيل واللوجيستيات للجيش دون دعم خارجي.

 الانقسام السياسي الداخلي: غياب التوافق اللبناني على مرجعية أمنية موحدة للجنوب.

الخلاصة

لن تكون مرحلة "ما بعد اليونيفيل" عبارة عن خروج مفاجئ يتبعه فراغ، بل عملية تحول تدريجي من الحضور العسكري الدولي المباشر إلى الرقابة غير المباشرة ودعم الدولة.

ويتوقف نجاح هذه العملية على ثلاثة شروط متلازمة:

جاهزية الجيش اللبناني، التمويل الدولي المستدام، 

وإرادة سياسية داخلية تكرّس سيادة الدولة واحتكارها

السلاح. فالاستقرار المستدام لا يُستورد من الخارج إلى الأبد، والحل لن يكون بعصا سحرية دولية، بل بتمكين الجيش اللبناني وإرادة سياسية داخلية تكرّس مرجعية الدولة.