ماذا لو الدولة… قررت أن تكون دولة!

لم يعد في لبنان مجال للالتفاف أو المواربة، فالمسألة لم تعد خلافاً سياسياً ولا نقاشاً حول أولويات وطنية، بل باتت تطرح سؤالاً مباشراً حول حقيقة وجود الدولة نفسها، ودورها، وحدود سلطتها. كيف يمكن لدولة أن تمارس سيادتها في ظل استمرار حزب الله في رفض تسليم سلاحه، أو في تعطيل مسار حصر السلاح الذي أعلنت بدءه في ٥ آب ٢٠٢٥؟ إن هذا السلوك لا يمكن التعامل معه كوجهة نظر أو موقف سياسي، فماذا لو تحملت الدولة مسؤوليتها واعتبرت تصرف الحزب حالة تمرّد مكتملة الأركان على السلطة الشرعية.

الدستور اللبناني واضح، واتفاق الطائف أكثر وضوحاً، السلاح حصرياً بيد الدولة، والسلطة التنفيذية يمارسها مجلس الوزراء مجتمعاً، وأي جهة ترفض تنفيذ قرارات هذه السلطة وتستند في رفضها إلى قوة عسكرية خاصة بها، تضع نفسها تلقائياً خارج الشرعية وتصبح مصنفة رسمياً "قوة متمردة". هنا لا تعود المسألة مرتبطة بتاريخ “المقاومة” أو بسرديات الصراع، بل بواقع قانوني بسيط وواضح، "تنظيم مسلّح يواجه الدولة"، ويفرض عليها ميزان قوة ويمنعها من ممارسة أبسط وظائفها.

انطلاق مسار حصر السلاح لا يعني الذهاب إلى حرب أهلية ولا إلى مواجهة عبثية. الدولة، عندما تقرر أن تكون دولة لا تتصرف بانفعال بل بمنهج، لذلك يأتي خيار الجيش اللبناني بتجميد السلاح غير الشرعي كخطوة أولى ذكية ومدروسة عبر منع نقل السلاح، تعطيل خطوط الإمداد، شلّ قدرته على الحركة، وإخراجه من أي دور ردعي.

فالسلاح الذي لا يُنقل ولا يُستخدم بل يُلوَّح به صباحاً ومساءً فقط، يتحول من أداة فرض، إلى "نُكتة" سخيفة وعبء سياسي وأمني على من يحمله.

لكن لا يمكن للدولة أن تطلب الطاعة وهي تموّل العصيان. فالمفارقة الصارخة أن تستمر الخزينة العامة، أو القروض الدولية، في ضخ مئات ملايين الدولارات في مؤسسات وصناديق خاضعة لهيمنة حزب يواجه الدولة، وتحديداً تحويل نحو ٩٠ مليون دولار إلى صندوق الجنوب، والتصويت على قرض بقيمة ٢٥٠ مليون دولار تحت عنوان إعادة الإعمار، في ظل رفض الحزب الامتثال لقرارات الدولة، فالمشهد لا يمكن قراءته إلا كتمويل غير مباشر لبنية أو حتى لمفهوم سياسي –عسكري موازي يضرب مفهوم سيادة الدولة.

في لحظة المواجهة، يصبح وقف تمويل إعادة الإعمار، وتجميد كل القروض والتحويلات المرتبطة بهذه المنظومة، إجراءً سيادياً بديهياً، لأن المال العام لا يُستخدم لتقوية من يرفض سلطة ويواجه سيادة الدولة.

إلى جانب المال الداخلي، يبقى التمويل الخارجي وهو العمود الفقري لأي تنظيم مسلح. والتغاضي عن التمويل الإيراني لحزب الله، في سياق مواجهة مفتوحة مع الدولة اللبنانية، لم يعد مجرد ضعف بل تواطؤ ضمني، فعلى الدولة أن تنتقل من سياسة الإنكار إلى سياسة الفعل، عليها تشديد الرقابة المالية، تفعيل القوانين المتعلقة بتمويل التنظيمات المسلحة، التعاون الكامل مع الهيئات الدولية المختصة، ووضع كل الشبكات المالية المرتبطة بالحزب تحت المجهر، والتجارب أثبتت أن السلاح الذي يُحاصر مالياً يذبل قبل أن يُهزم عسكرياً.

وعندما يصرّ الحزب وقياداته على العصيان، لا يعود مقبولاً إبقاء القضاء رهينة الحسابات السياسية، فإعلان تمرّد القيادات التي تواجه قرارات مجلس الوزراء يجب أن يترافق مع ملاحقات قضائية جدية، وفتح كل الملفات التي جُمّدت سابقاً تحت ضغط الأمر الواقع، من الاغتيالات السياسية، إلى التفجيرات، إلى الاعتداء على مؤسسات الدولة، إلى اغتصاب القرار السيادي بالقوة فالعدالة المؤجلة ليست عدالة، والدولة التي تخشى محاسبة من يهددها تعلن عملياً إفلاسها.

وهنا لا بدّ من تسليط الضوء على دور القوى الأمنية والعسكرية الشرعية، التي، رغم التشكيلات الأخيرة، يراود المتابعين شعور متزايد بأنها لم تواكب بعد حجم التحولات السياسية والأمنية، داخلياً وإقليمياً. وهذا القصور، إن صحّ، ينعكس حكماً على قدرة الدولة على تنفيذ مقرراتها وفرض سيادتها. وإذا بقي هذا الواقع عقبة أمام تقدّم الدولة واستعادة دورها، لا شيء يمنع إجراء تشكيلات جديدة تعكس التطورات الحاصلة، وتعيد مواءمة المؤسسات العسكرية والأمنية مع التحديات الفعلية التي تواجهها البلاد.

وإذا بلغت المواجهة حدوداً تمنع الدولة من فرض سيادتها كاملةً في الداخل، يصبح تدويل القضية خياراً مشروعاً، لا بل واجباً.

فاللجوء إلى مجلس الأمن ليس استقواءً بالخارج، بل استعادة للشرعية الدولية التي التزم بها لبنان منذ نشأته، فدولة عضو في الأمم المتحدة لا يمكن أن تقبل بوجود جيش موازٍ يقرّر الحرب والسلم، ويجرّ البلاد إلى مواجهات من دون تفويض شعبي أو دستوري. عندها، يُعاد توصيف حزب الله دولياً كجماعة مسلحة غير حكومية تواجه دولة شرعية، مع ما يترتب على ذلك من إجراءات وضغوط وعقوبات.

في الخلاصة، ورغم ترقّب ما قد يحصل في إيران، وفي حال سقوط نظام ولاية الفقيه، قد نكون عندها في غنى عن بعض هذه الإجراءات. إلا أنّ الواقع الداخلي يضعنا اليوم أمام لحظة فاصلة في تاريخ لبنان الحديث. فبدء مسار حصر السلاح في ٥ آب ٢٠٢٥ ليس تفصيلاً إدارياً، بل امتحاناً نهائياً لفكرة الدولة نفسها. فإمّا أن تُستكمل الخطوات حتى نهايتها، بكل ما تحمله من كلفة سياسية ومالية وربما أمنية، وإمّا أن يُعترف صراحة بأن لبنان لم يعد دولة، بل ساحة مفتوحة تحكمها موازين القوة. في هذه اللحظة، لا حياد ولا تسويات رمادية، فإمّا دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد، أو دويلة تبتلع ما تبقّى من الكيان، وكما كانت في السابق محكومة بالوصاية السورية والإيرانية، فإن التاريخ سيعيد نفسه، وستُحكم مجدداً من أعدائهم ممكن وفي جميع تلك الحالات… لن يكون لنا دولة!