المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نخلة عضيمي
الاثنين 5 كانون الثاني 2026 06:56:50
لن يكون سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد تغيير في قصر ميرافلوريس، بل لحظة كاشفة لسنوات من العمل السري والتحالفات الرمادية. ففنزويلا لم تكن حليفًا عاديًا لإيران و "حزب الله"، بل كانت منصة عمليات، وممرًا ماليًا، وغطاء سياسيًا في خاصرة الولايات المتحدة. إذ شكّل مادورو حلقة محورية في شبكة نفوذ عابرة للقارات نسجتها طهران بعيدًا من أنظار الشرق الأوسط. ومع سقوط عرش الحكم في فنزويلا، يطرح السؤال الأخطر نفسه: ما الذي سيحدث مع سقوط الحليف الذي وفر المال، والممرات، والحماية؟
الأكيد أن محور الممانعة خسر ملعبًا استراتيجيًا جديدًا له بعد نظام بشار الأسد في سوريا، وأن عقارب الساعة في كاراكاس لن تعود إلى الوراء.
ففنزويلا كانت، كما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، "موطئ قدم لنفوذ الحرس الثوري الإيراني و "حزب الله"، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر أمنية واقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها".
كما إن الشبكات الخارجة عن القانون هناك تحولت إلى منصة تمويل لـ "حزب الله" وفق عدة تقارير أجنبية موثقة. ومن هنا، فإن عملية فنزويلا تشكل ضربة إضافية تكمل سلسلة الضربات التي تلقتها قوى محور الممانعة.
شبكات التمويل: ثلاثية "حزب الله"- إيران - تنظيمات فنزويلا
تشير تقارير صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية عبر OFAC إلى وجود شبكات مالية معقدة تدعم "حزب الله" وتمتد بين إيران وفنزويلا. وتستخدم في ذلك أساليب تشمل شركات واجهة، شركات صرافة، تحويلات عبر كيانات تجارية، وحتى العملات الرقمية للالتفاف على العقوبات الدولية وتحويل الأموال إلى التنظيمات المسلحة. ومن بين الكيانات التي طالتها العقوبات أخيرًا Empresa Aeronautica Nacional SA من فنزويلا، وRayan Fan Kav Andish Co. المدرجتان ضمن قائمة العقوبات الأميركية.
التقارير الأمنية الأميركية تربط كذلك شبكات الحرس الثوري و "حزب الله" المالية بأنشطة الجريمة المنظمة في أميركا اللاتينية، عبر شبكات تعمل في مجالات تهريب المخدرات، غسل الأموال، الاتجار بالأسلحة. وتعد فنزويلا نقطة استراتيجية لهذه الشبكات، حيث تتلاقى مصالح التنظيمات المسلحة مع العصابات المحلية والكارتلات الكبرى.
الإمداد العسكري الإيراني عبر فنزويلا
لا يتوقف التعاون بين طهران وكاراكاس على الجوانب المالية فحسب، بل يشمل مصادر عسكرية وتقنية. ففي أواخر كانون الأول 2025 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على عشرة أفراد وكيانات من فنزويلا وإيران تتعلق بنقل برامج الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يعكس مخاوف واشنطن من أن إيران تستخدم فنزويلا كمنصة للتوسع العسكري في نصف الكرة الغربي، مع استفادة مجموعات مثل "حزب الله" من هذا النفوذ.
وفي نهاية عام 2025، فرضت واشنطن عقوبات على أربع شركات نفطية فنزويلية وأربع ناقلات، وهي إجراءات أميركية تشكل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى استهداف النفوذ الإيراني و "حزب الله" في أميركا اللاتينية عبر إضعاف نظام مادورو وتحجيم قدراته الأمنية. كما إن مجلس الشيوخ الأميركي حذر مرارًا من توسع "حزب الله" في كولومبيا وفنزويلا واستغلال كارتلات المخدرات لتمويل شبكاته.
وكشف تقرير صادر عن وزارة المالية الكندية عن طرق استعمال العملات الرقمية وتجارة السيارات المستعملة والشبكات المصرفية الدولية لتسهيل تحويل الأموال إلى "حزب الله".
ماذا ينتظر إيران و "حزب الله" بعد مادورو؟
إذً,شكّل سقوط مادورو خسارة مؤلمة لإيران وأذرعتها وصفعة جيوسياسية لهم لا سيما وأن فنزويلا تعد أحد أهم حلفاء طهران خارج الشرق الأوسط، وكانت توفر لها نافذة لكسر العزلة الدولية من خلال التعاون في مجالات النفط والذهب وتبادل السلع بعيدًا من العقوبات. من هنا، فإن الواقع الجديد سيزيد من الضغوط المالية على إيران، ما سيرفع ضغط التحركات الداخلية في البلاد.
والأخطر أن فنزويلا تستخدم كنقطة حضور إيراني في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة، وسقوط مادورو سيضع إيران في موقف أقل قدرة على المناورة مع الولايات المتحدة.
أما على خط "حزب الله"، فبالتأكيد ستضيق شبكات انتشاره ونشاطه وخطوط الإمداد التابعة له من كاراكاس وصولًا إلى بيروت. وهذا الأمر سيقلص أنشطته المالية التي سبق وشحت إلى حد كبير. وهو أصبح يعرف جيدًا مع راعيه الإيراني أن تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليست مجرد كلام، ولن يكون عصيًا على الأخير التحرك ضد نظام آخر وأن دور نظام الملالي في إيران بعد فنزويلا ليس ببعيد.
قد تحاول طهران و "حزب الله" إعادة التموضع، لكن المؤكد أن ما بعد مادورو لن يشبه ما قبله.