المصدر: إرم نيوز
السبت 3 تشرين الأول 2026 10:07:10
تتكشف يومًا بعد آخر معالم الإمبراطورية المالية لميليشيا "حزب الله" اللبناني في أميركا اللاتينية عموماً، وفي فنزويلا على وجه الخصوص، حيث أنشأ التنظيم شبكة معقدة للتهريب وغسيل الأموال، نجح في نسج خيوطها الممتدة طوال سنوات حكم الرئيسين هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو.
وكشفت مصادر إعلامية وأمنية مطلعة في أميركا اللاتينية عن آليات التنسيق والاعتماد المتبادل بين "حزب الله" والنظام الحاكم في كاراكاس على مدى العقود الماضية، مؤكدة أن هذه المنظومة المالية واللوجستية لا تزال تعمل وتدير أنشطتها بكفاءة، على الرغم من التطورات والمستجدات السياسية التي شهدتها البلاد مؤخراً.
تدفقات مالية بـ300 مليون دولار سنوياً
ووفقاً لبيانات وتقارير استخباراتية دولية فإنّ أنشطة الميليشيا اللبنانية الموازية وغير المشروعة في فنزويلا وحدها تجاوزت 300 مليون دولار سنوياً، وهو ما يمثل جزءاً معتبراً من موازنة التنظيم الشاملة.
وتوضح التقارير أنّ التقارب الإيديولوجي بين الميليشيا وبين كاراكاس (خلال حكم تشافيز ومادورو) تجاوز التقارب الإيديولوجي المناهض للسياسات الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط وفي أميركا اللاتينية نحو تدشين بنية تحتية مالية ولوجستية كاملة.
وتتوافق عدة مصادر استراتيجية مطلعة من بينها المعهد السويدي للدفاع والأمن على أنّ فنزويلا – وخاصة منطقة التجارة الحرة في جزيرة "مارغريتا" والعاصمة كاراكاس - شكلت ولمدة طويلة نسبياً عقدة استراتيجية أتاحت للتنظيم غسيل الأموال وتسهيل وثائق السفر الرسمية والاستفادة من تجارة الذهب وتهريب البضائع وصولاً إلى استغلال الممرات الجوية والتجارية لتسهيل حركات الأفراد والشبكات التابعة له وللحرس الثوري الإيراني.
وفي تفكيكها لهذه المنظومة اللوجستية المعقدة بين "الضاحية" و"كاراكاس"، تبرز عدّة دراسات وأبحاث مطلعة من بينها دراسة الباحث السويدي ماغنوس رانستورب، أنّ شبكة العائلات واللوبيات اللبنانية في فنزويلا و أميركا اللاتينية لعبت دور الجسر الواصل بين اقتصاد الظل في فنزويلا والأنشطة المالية الممتدة إلى الشرق الأوسط (لبنان وسوريا).
ولم تقتصر المعاملات على النطاق الفنزويلي فحسب، بل ارتبطت أيضاً بالشبكات القديمة في منطقة "الحدود الثلاثية" (بين البرازيل والباراغواي والأرجنتين)، لا سيما مدينة "سيوداد ديل إستي" التي تُعد إحدى أكبر مناطق التجارة الحرة والأنشطة المالية الموازية في العالم.
التكيف مع الضغوطات والعقوبات
وتضيف في هذا السياق أنّه ومع اشتداد العقوبات الدولية وتكثيف واشنطن لضغوطها على الشبكات المالية والتنفيذية وعلى التدفقات المالية المشبوهة، شهدت هذه المنظومة المالية تطويراً احترافياً لتقليل المخاطر. حيث تم الاعتماد بشكل كبير على ثلاثية مالية تقنية معقدة، تقوم على تبييض الأموال القائمة على التجارة، والوسائط المالية الهجينة والنقاط الثانوية.
واستندت المنظومة إلى طرق التلاعب بالدفعات والتحويلات المالية الصورية، من خلال الاستعانة بالمصارف غير الرسمية والعملات الرقمية وتهريب السلع الثمينة كالذهب، مع نقل جزء من هذه الأنشطة والخدمات اللوجستية إلى دول إقليمية أخرى مثل بوليفيا ونيكاراغوا لتخفيف أثر الضغوط.
وتشدد الدراسات على أنّ على الرغم من ضرب الشبكات الرئيسية وتضييق الخناق على الملاذات الآمنة في أميركا اللاتينية، فإن ذلك لم يؤدِ إلى إنهاء وجود تلك الشبكات بشكل كامل، بل دفعها لنحو مزيد من اللامركزية والتجزئة.
وفقاً لتقدير وتقييم الباحث السويدي فإنّ هذا التحول يجعل من تتبع التدفقات المالية للجهات الفاعلة من غير الدول أمراً أكثر تعقيداً، ويضع أجهزة الاستخبارات والرقابة المالية الدولية أمام تحديات جديدة للحد من تقاطع الجريمة المنظمة العابرة للحدود مع الصراعات الإقليمية.
نظام مالي هجين وخطير
وتتقاطع دراسة رانستورب بشكل منهجي وموضوعي، مع دراسة استراتيجية حديثة نشرتها شبكة البحث العالمية حول التطرف والتكنولوجيا، التي أكدت بزوغ مرحلة جديدة في أساليب عمل التنظيمات والميليشيات المسلحة، وفي مقدمتها "حزب الله" اللبناني.
وتعتبر الدكتورة أدريانا مارين أن النموذج التقليدي لتشابك الجريمة المنظمة بالإرهاب لم يعد كافياً لتفسير آليات التمويل الراهنة.
وتخلص مارين إلى أنّ الظاهرة انتقلت من مجرد "التقاء تنظيمي" بين عصابات تهريب السلع والصلات الميدانية، إلى تقاطع تكنولوجي هجين يدمج بين الجغرافيا التقليدية والأصول الرقمية المشفرة.
وتضيف أنّ المنظومة المالية الجديدة لم تستبدل الشبكات التقليدية للتهريب ولغسيل الأموال في المناطق اللاتينية الرخوة – مثل منطقة الحدود الثلاثية- بآليات رقمية، بل أنشأت نظاماً مالياً هجيناً وخطيراً جدّاً.
وتتهم الباحثة "توفيق محمد سعيد اللو"، بالوقوف وراء شبكة كاملة تتعامل بالحوالات المالية، بمعية رجال أعمال نافذين مرتبطين عضوياً به.
ويتمثل هذا النظام الهجين في الجمع بين الأساليب التقليدية المتجسدة في تهريب الأموال النقدية، تبييض الأموال عبر التجارة، وشبكات الحوالة الأهلية، مع الابتكارات الرقمية الكامنة في استخدام العملات الرقمية المستقرة (مثل USDT عبر شبكة TRON)، المحافظ المشفرة، وتطبيقات الاتصال المعماة.
تجلى هذا التكامل في التقارير الأمنية الأخيرة التي ربطت بين كارتل "عصبة القيادة الأولى" (PCC) البرازيلية وشبكات تابعة لميليشيا "حزب الله"، حيث رصدت السلطات في باراغواي استخدام عمليات تعدين غير قانونية للعملات الرقمية بالتوازي مع معاملات تجارة المخدرات والسلاح.
وتخلص الدراسة إلى أن التحدي الأكبر لأجهزة الاستخبارات لا يكمن فقط في التحالف المباشر بين عصابات الجريمة والجماعات الإرهابية، بل في استغلال الطرفين لنفس البنية التحتية التكنولوجية والمالية المتاحة.
وتنبه إلى أنّ التكنولوجيا اليوم وبخاصة العملات الرقمية ونماذج الذكاء الاصطناعي المستخدم في تزييف الهويات والتطبيقات المشفرة، كلها تعمل كـ"قوّة مضاعفة"، باعتبار أنّها تمنح شبكات الاستقطاب المالي للميليشيا قدرة فائقة على تجاوز العقوبات المالية وتخطي إجراءات مكافحة غسل الأموال بسرعة ومرونة غير مسبوقتين.
كما تؤكّد أنّ القواعد التنظيمية المعمول بها حالياً ضمن مجموعة العمل المالي (FATF) ومؤسسات الاستخبارات المالية بحاجة إلى مراجعة شاملة لتغطية هذا الفضاء الهجين.