ما الذي منع الجنوب من أن يصبح غزة أخرى؟

عندما تابع اللبنانيون مشاهد الحرب في غزة بعد السابع من تشرين الأول 2023، بدا للكثيرين أن ما يجري هناك ينتمي إلى واقع مختلف تماماً عن واقعهم. فقد وجد أكثر من مليوني إنسان أنفسهم داخل مساحة مغلقة، بلا ملاذ آمن، وبلا قدرة على الهروب من دائرة النار. كانت الحرب تشمل كل شيء: البشر والحجر، المنازل والمستشفيات، المدارس ومراكز الإيواء، حتى المساعدات الإنسانية تحولت في كثير من الأحيان إلى مصدر إضافي للخطر والموت.

لكن مع انتقال المواجهة تدريجياً إلى لبنان، وتوسع العمليات العسكرية لتشمل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بدأت المقارنة تفرض نفسها بقوة. صحيح أن حجم الدمار لم يصل إلى المستوى الذي شهدته غزة في جميع المناطق المستهدفة، لكن الصحيح أيضاً أن كثيراً من أساليب الحرب وأهدافها المعلنة باتت متشابهة إلى حد يدعو إلى القلق.

ومع ذلك، ثمة فارق جوهري بين التجربتين.

ففي غزة لم يكن هناك مكان يذهب إليه الناس، في ظل غياب سلطة مشروعة معترف بها دوليًا، وهم ممنوعون من الانتقال إلا إلى أماكن يحدّدها الجيش الإسرائيلي ليعود ويأمرهم الى الانتقال الى أماكن أخرى ليست آمنة هي الأخرى. أما في لبنان فقد كشفت الحرب عن إحدى الخصائص الأساسية في تكوينه السياسي والاجتماعي، وهي وجود مساحات متعدّدة ومتنوّعة داخل البلد استطاع اللبنانيون اللجوء إليها طلباً للأمان. فتحت المدن والبلدات أبوابها للنازحين، واستقبلت العائلات أبناء الجنوب والبقاع والضاحية، وتحمّلت المدارس والبلديات والجمعيات جزءاً كبيراً من أعباء النزوح. ورغم كل الانقسامات التي يعاني منها لبنان، ظهر مجدداً أن المجتمع اللبناني لا يزال يمتلك قدرة على التضامن الأهلي والإنساني حالت دون تحول البلاد إلى نسخة مطابقة لما جرى في غزة حتى الآن. غير أن هذه الحقيقة تطرح سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: لماذا يتم تحييد مناطق لبنانية واسعة عن الاستهداف فيما تبقى مناطق أخرى في قلب المواجهة، على النقيض من ما كان يحصل للنازحين في غزة.

هل يعود ذلك إلى اعتبارات طائفية أو ديموغرافية؟ أم إلى حسابات سياسية وعسكرية أكثر تعقيداً؟ أم لأن طبيعة لبنان المتعددة والمتنوعة وعلاقاته الممتدة عربياً ودولياً تجعل من الصعب تحويل البلد كله إلى ساحة حرب مفتوحة؟

قد لا يكون الجواب واحداً. لكن المؤكد أن التعددية اللبنانية نفسها تمثل عاملاً لا يجوز الاستهانة به. فلبنان، بخلاف كثير من النماذج المغلقة في المنطقة، يمتلك امتدادات إنسانية وثقافية واقتصادية واسعة في العالم. وفي لحظات الأزمات الكبرى تتحول هذه الشبكات إلى مصدر اهتمام وضغط وتضامن دولي. وكلما بقي لبنان بلداً مفتوحاً ومتعدداً وقادراً على مخاطبة العالم بأسره، ازدادت قدرته على حماية نفسه سياسياً وأخلاقياً، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.

ومن هنا يبرز جانب آخر من المفارقة. ففي مراحل سابقة من الصراع العربي الإسرائيلي، كان الاعتداء على الجنوب اللبناني يستدعي تضامناً لبنانياً وعربياً ودولياً واسعاً. أما اليوم، فيبدو هذا التضامن أكثر محدودية وأقل تأثيراً. وقد يكون السبب أن الحرب لم تعد تُقدَّم بوصفها قضية وطنية جامعة لجميع اللبنانيين، بل باعتبارها خياراً تتبناه جهة محددة فيما يتحمل الجميع كلفته الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

إن ما منع حتى الآن اكتمال "نموذج غزة" في لبنان لم يكن القوة العسكرية وحدها، بل وجود مجتمع متنوع احتضن النازحين، ودولة ــ على الرغم من ضعفها ــ ما زالت تؤمن الحد الأدنى من الخدمات والروابط الوطنية، إضافة إلى شبكة واسعة من العلاقات والانفتاح على العالم. وإلى اعتبارات تتعلق بالصراع الدائر في المنطقة بين ايران والولايات المتحدة الاميركية، التي دفعت لأن تكون الدولة اللبنانية هي المفاوض وليس أي فئة أخرى، ما ينزع من اسرائيل ذريعة كانت تستخدمها سابقا لإعادة شن الحروب المدمرة، على الرغم من التكتيك الذي تستخدمه إسرائيل الآن باللعب على تناقضات الموقف بين الدولة و"حزب الله"، الذي يعتبر آنيا إذا ما أعاد "حزب الله" موقفه وانخرط في مسار السلام المنشود والدائم.

و إذا كان اللبنانيون جميعاً يدفعون أثمان الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وإذا كانت المناطق غير المستهدفة اليوم تشارك في تحمل أعباء النزوح والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وتؤمن جزءًا كبيرًا من عوامل الصمود التي لم تتوافر في غزة، لا بل كانت عاملا ضاغطا على المفاوض الفلسطيني، ألا يحق لها أن تكون شريكة أيضاً في تقرير الخيارات الكبرى التي تحدد مصير البلاد؟

وألا يستدعي ذلك من أبناء الجنوب والضاحية وبعلبك ـ الهرمل، الذين يتحملون القسط الأكبر من الخسائر البشرية والمادية، إعادة التفكير في جدوى استمرار نمط من المواجهات المفتوحة يتكرر كل بضع سنوات ويعيد إنتاج المأساة نفسها بأشكال مختلفة؟ كان قد ركز عليها وكررها دائما الامام موسى الصدر قبل وبعد اجتياح اسرائيل عام 1978.

إن الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة غزة لا يتعلق فقط بحجم الدمار، بل بضرورة إدراك أن حماية المجتمع ليست أقل أهمية من أي هدف سياسي أو عسكري. فالتاريخ مليء بشعوب دفعت أثماناً هائلة قبل أن تكتشف أن استمرار الحرب لا يؤدي دائماً إلى تحسين شروطها، بل قد يؤدي أحياناً إلى تحقيق أهداف خصومها.

ومن هنا تكتسب المبادرات السياسية ومساعي وقف إطلاق النار والتفاوض أهمية خاصة. فالتفاوض ليس مرادفاً للاستسلام، كما أن البحث عن مخارج سياسية لا يعني التخلي عن الحقوق أو التنازل عنها. بل إن معظم الصراعات الكبرى في العالم انتهت عندما أدركت الأطراف المتحاربة أن كلفة استمرار القتال أصبحت أعلى من أي مكسب محتمل.

لقد أحسنت الدولة اللبنانية عندما بادرت إلى التأكيد أنها تمثل جميع اللبنانيين دون استثناء، وأحسن اللبنانيون عندما استضافوا إخوانهم النازحين بعيداً عن الحسابات الضيقة والانقسامات التقليدية. ففي تلك اللحظة لم تكن الطوائف هي التي تحمي اللبنانيين، بل فكرة الوطن نفسها.

ولعل الرسالة الأهم التي تخرج من هذه الحرب هي أن قوة لبنان الحقيقية لا تكمن في قدرة أي فئة على القتال وحدها، بل في قدرة جميع اللبنانيين على البقاء معاً داخل إطار سياسي واحد يحميهم جميعاً. فحين تكون الدولة هي المرجعية الجامعة، يصبح الاعتداء على أي منطقة اعتداء على لبنان كله، ويصبح الدفاع عن أي مواطن دفاعاً عن جميع المواطنين.

الدولة وحدها قادرة على تحويل التعددية اللبنانية من مصدر انقسام إلى مصدر قوة، والدولة وحدها قادرة على جعل جميع اللبنانيين شركاء في القرار والمصير. أما استمرار إدارة الحروب بمنطق الفئات والجماعات، فلن يؤدي إلا إلى تكرار المأساة نفسها مرة بعد مرة، فيما يبقى لبنان كله هو الذي يدفع الثمن.

إنّ ما تقدم يؤكد أن من يحمي اللبنانيين بحسب التجربة القائمة هو تنوّعهم وتمسّكهم بدولتهم وليس أي فئة داخلية أو خارجية.