ما المطلوب من "الأخ الأكبر".. وهل يشكل وجوده في المصيلح خطوة أولى لعودة أهل الأرض إليها!؟

أما وقد عبرت الذكرى السنوية الثالثة لـسبت "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول 2023، ومعها الذكرى عينها لحرب "الالهاء والاسناد" في الثامن منه، لم تتسع الأشهر التي مرت حتى اليوم لقراءة تداعياتها وما انتهت اليه من نكبات راكمتها سلسلة حروب متلاحقة تناسلت وتوسعت من قطاع غزة الى لبنان ومنه الى اليمن والعراق قبل سقوط النظام السوري وتغيير وجه المنطقة في الطريق الى شرق أوسط جديد.

وعلى وقع المأساة التي يعيشها اللبنانيون بكل ما للكلمة من معنى منذ ثلاث سنوات وثلاثة أيام، قالت مصادر ديبلوماسية وسياسية لـ "المركزية"، يبدو أن الظروف التي تسمح بتقييم النتائج كاملة لمسلسل الحروب لم تكتمل بعد قبل لملمة النكبات التي تسببت بها. وان الخطوات المطلوبة توصلا الى النهايات المطلوبة لم يحن أوانها بعد. لكنّ إحصاء بسيطا يقول بزيادة المناطق المحتلة في جنوب لبنان بعدما توسعت مساحاتها من أمتار محدودة في بعض النقاط الحدودية الـ13  المتنازع حولها،  الى خمس نقاط تلت تفاهم 27 ت 2 2024 قبل ان تتطور بشكل متدحرج لتشمل عشرات المدن والقرى التي  كانت محررة وتنعم باستقرار غير مسبوق وانماء واعمار تباهى به الجنوبيون على مدى سنوات، فيما كانت وحدات عسكرية ولوجستية تعمل بإشراف ضباط الحرس الثوري الإيراني على حفر الأنفاق تحت المنازل وتوزيع فوهاتها المموهة تحت المراكز التجارية، ونقل قواعد الصواريخ المتعددة الاختصاصات الى الاحياء السكنية الى منطقة كانت محظورة على مثل هذه الأعمال.

والى هذه المعطيات، اعتبرت المصادر عينها أن أخطر ما تعبر عنه هذه الممارسات، انها تلت حرب تموز، التي انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي صدر بتاريخ 12 آب 2006 والذي لم يلتزم به اللبنانيون بتاتا، بدليل ان كل ما شهده الجنوب من أعمال وتحضيرات عسكرية جاء مخالفا لكل ما قال به في ظل غض نظر داخلي عميق وتجاهل دولي لا يمكن انكاره. ذلك أنه  القرار الذي منع وجود أي سلاح غير شرعي جنوبي الليطاني في منطقة وضعت في عهدة اكثر من 12 الف جندي دولي من القوات الدولية المعززة "اليونيفيل"،  لمساعدة الجيش اللبناني على بسط سلطته  لوحده على تلك المنطقة ومعه مختلف القوى العسكرية والأمنية الذين عليهم التعاون مع 15 ألف جندي لبناني بهدف تحريمها على المسلحين اللبنانيين من "حزب الله" وغيرهم من المسلحين اللبنانيين والفلسطينيين ومعهم أي مجموعة سبق لها ان عاثت فسادا في المنطقة واستجرت مجموعة الحروب والاجتياحات الإسرائيلية السابقة منذ العام 1978 بما فيها تلك التي بلغت العاصمة بيروت عام 1982 وغيرها على مدى العقود الماضية قبل التحرير عام 2000 .

وفي تعليقها على خلاصة مسلسل الحروب هذه لفتت المصادر عينها ان لبنان لم يدفع من قبل  ثمنا بالحجم الذي دفعه حتى الأمس القريب، في مسلسل الحروب الأخيرة التي تلت حرب "الإلهاء والإسناد" الى جانب مسلحي حماس ونظيراتها الفلسطينية في 8 تشرين الأول 2023 والتي استدعتها عملية "طوفان الأقصى" الى  تدمير قطاع غزة كاملا ومحو العديد من مدنه ومخيماته،  وصولا الى "حرب الثأر" لمقتل المرشد الايراني علي الخامنئي  وافراد من عائلته وكبار الوزراء والقادة العسكريين والخبراء النوويين الإيرانيين في أولى ساعات الحرب الاميركية – الاسرائيلية الثانية على إيران التي ما زالت مستمرة منذ 28 شباط الماضي.

وكان لافتا عندما توقفت هذه المصادر امام حصيلة هذه الحروب في غزة ولبنان، فرأت انها بلغت أرقاما مخيفة لم تنته اليها أي حرب سابقة بعد. ففي الحصيلة الأخيرة المعلن عنها بلغ حجم الضحايا والقتلى في غزة 75,128حسب آخر إحصاء لوزارة الصحة الحمساوية، أعلن عنه بتاريخ 21 ايلول الماضي عدا المطمورين تحت أنقاض بيوتهم، وزاد عدد الجرحى على 190,969 فلسطينيا. فيما كشف "مركز عمليات طوارئ الصحة" التابع لوزارة الصحة العامة في لبنان أمس السبت، بأنّ "الحصيلة التراكمية للحرب منذ 2 آذار حتى 10 تشرين الأول بلغت 4386 قتيلاً و12424 جريحاً ما عدا مفقودي الأثر. وبذلك، ترتفع الحصيلة الإجمالية للحرب منذ حرب "الإلهاء والإسناد" في 8 تشرين الأول 2023 حتى اليوم إلى 8953 قتيلاً و30660 جريحاً" عدا عن تدمير وتجريف عشرات القرى الجنوبية التي مسح بعضها عن وجه الأرض ونبش باطنها والإضرار في أحياء الضاحية وبيروت ومناطق البقاع كافة.

وعلى الرغم من هذه الأرقام التي لا يمكن مقارنتها بالنسبة الزهيدة التي دفعتها إيران التي خاض "حزب الله" حربه من أجل مؤازرتها والثأر لمرشدها في حربي حزيران 2025 وشباط  2026 مثل العدد من الضحايا اللبنانيين، وهو امر وضع "حزب الله" في مواجهة جميع اللبنانيين دون استثناء، مع الإشارة الى احتفاظ حركة امل بالحد الأدنى من التوجه الذي يقوده الحزب في مرحلة عبرت فيها قيادتها السياسية عن تمايز كبير بدأ يتخذ اشكالا علنية بطريقة مضطردة. وهو ما دفع الى أكثر من تساؤل عن الموقف الذي يمكن ان يتخذه رئيسها نبيه بري ليس بصفته رئيسا لمجلس النواب فحسب انما بوصفه احد ركني "الثنائية الشيعية" و"الأخ الأكبر" للحزب الذي يلعب دور الناطق الرسمي والمفاوض باسمهما معا.

على هذه الخلفيات، تلاقت مراجع سياسية وحكومية ونيابية على قراءة زيارة الرئيس بري الجنوب وتواجده منذ نهار أمس في منزله في المصيلح أولى الخطوات المتمايزة عن "حزب الله". وخصوصا ان تعهداته التي قطعها للديبلوماسيين والموفدين الأميركيين والأوروبيين والعرب والخليجيين والامميين قد حان أوان استحقاقها ولم يعد قادرا على ان يلعب الوجهين ويستخدم اللسانين معا وبات عليه حسم موقفه مما يجري بطريقة واضحة وان عليه ان يرفع الصوت باتجاه الضاحية الجنوبية وقيادة "حزب الله" بوجهيها اللبناني السياسي والحزبي وعبرها الى "القيادة العسكرية الإيرانية" الفعلية التي تتحكم بأسلحة الحزب وإدارة العمليات العسكرية في لبنان.

وختاما، انتهت هذه المراجع لتتوقع موقفا متمايزا من بري ليرفد به أولى الإشارات التي قصدها لمجرد انتقاله شخصيا الى المصيلح التي تعرضت في أوقات سابقة لغارات جوية دمرت مؤسسات ومنشآت حيوية وقد سبقته إليها رسائله إلى القيادات العسكرية والديبلوماسية الراعية للأمن في الجنوب، لتبقى حال الانتظار قائمة ولو لساعات قليلة لما يمكن أن يعبر عنه من مواقف حاسمة وخصوصا ان جال في قرى الجنوب وحجم القدرة على الإيفاء بالتزامات سبق ان قطعها. ذلك انه لم يعد بإمكانه توجيه النصائح والملاحظات الى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومعهما قيادة الجيش والايفاء بالتزامات قطعها بصفته رجل دولة ورئيسا للسلطة التشريعية، وعليه ان يختار نهائيا بين موقعيه الرسمي والحزبي والفصل النهائي بين موجباتها. فهل يفعل ليسهل الخطط الموضوعة لوقف النار والانسحاب الاسرائيلي ليعود أهل الأرض الى قراهم ومدنهم ولو كانت مدمرة؟