المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الخميس 19 آذار 2026 17:48:29
في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، ومع الحديث عن الاستعانة بخدمات الإنترنت الفضائي مثل "ستارلينك"، عاد قطاع الاتصالات في لبنان إلى الواجهة، وسط مخاوف من تعرضه لاهتزازات قد تعوق التواصل وتدفّق المعلومات، خصوصا مع ازدياد التشويش الإسرائيلي على الاتصالات. إلا أن المعطيات التقنية والميدانية في لبنان لا تعكس هذا التشاؤم بقدر ما تظهر قدرة القطاع المحلي على الصمود، مدعوما بتنوع بنيته التحتية وتعدد مصادره، بما فيها الحلول التقليدية والبديلة.
والحال أن المرحلة الراهنة تفرض إدارة دقيقة للمخاطر توازن بين استمرارية الخدمة ومتطلبات الأمن والسيادة، في ظل تحولات تكنولوجية متسارعة تفرض نفسها بقوة في زمن الأزمات.
مصادر متابعة تستغرب التهويل المتزايد باحتمال انهيار الاتصالات، بدليل أن هيكلية الشبكات في لبنان وتعدد مسارات الربط والموارد التقنية تجعلها قادرة على الاستمرار حتى في ظروف قاسية. وتشير إلى أن ما يروّج من مخاوف يدخل في إطار التخويف غير المبرر، فيما ليس هناك مؤشرات فعلية لانهيار وشيك، بل على العكس، لا تزال الشبكات والإنترنت تعمل بوتيرة طبيعية نسبيا.
ولفتت إلى أن ثمة تضخيما لدور "ستارلينك" كخيار بديل، من دون التوقف عند مسألة اعتماده على بنى خارجية، بما فيها نقاط ارتكاز في قطر، التي تتعرض بدورها لعمليات عسكرية تستهدف البنى التحتية من الجانب الإيراني، ما يعني أنه ليس في منأى عن المخاطر الإقليمية، ولا يشكل حلا سياديا كاملا.
في المقابل، تشير المعطيات التقنية إلى أن شبكة الاتصالات اللبنانية لا تزال متماسكة وقادرة على العمل حتى في ظروف ضاغطة، والفضل للكابل البحري العابر للقارات IMEWE الذي تملك "أوجيرو" حصة وازنة فيه منذ عام 2010، وهو لا يمر في مضيق هرمز، ما يجعل الحديث عن بدائل خارجية مثل "ستارلينك" مبالغا فيه نسبيا.
فهل يعكس التركيز على سيناريوات الانهيار تقييما دقيقا للمخاطر، أو أنه يستخدم لتهيئة القاعدة لخيارات أو تعاقدات لا لزوم لها فعليا، فيما تبقى الأولوية لتعزيز البنية المحلية وخطط الطوارئ الوطنية؟
خبير الاتصالات وسيم منصور يوضح لـ"النهار" أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارا بتوسيع ترخيص خدمات "ستارلينك" خلال جلستها المنعقدة في 5 آذار 2026، مستندة إلى "الظروف الاستثنائية"، حيث عدّلت قرارا سابقا يعود إلى أيلول 2025. ويشير إلى أن "هذا التعديل أتاح توسيع نطاق الجهات المستفيدة، بحيث لم يعد مقتصرا على الشركات التجارية، بل شمل الجهات الحكومية والسفارات والمنظمات غير الحكومية لأغراض رسمية وإنسانية".
هذا التوسع في رأيه "ترافق مع تجاوز بعض المحاذير الأمنية التي كانت تشترط تمكين الأجهزة المعنية من الولوج إلى البنية الرقابية، ما يطرح تساؤلات عن التوازن بين الحاجة إلى استمرارية الاتصالات ومتطلبات السيادة الرقمية".
وعلى المستوى التقني، يؤكد منصور أن "البنية الحالية للاتصالات في لبنان لا تزال متماسكة، ولا أعطال جسيمة تذكر، رغم بعض التشويش الذي يسجل أحيانا نتيجة نشاط الطائرات المسيرة، وهو أمر كان أكثر حدة في مراحل سابقة، خصوصا على أنظمة تحديد المواقع. ومع ذلك، لا مؤشرات لاستهداف مباشر للبنية المرتبطة بالإنترنت، ولا سيما الكوابل البحرية. لكن التحدي الأبرز يكمن في "غياب وضوح خطة الطوارئ، إذ لم تحدد بعد آليات تأمين الاتصالات في الحالات الحرجة، خصوصا أن خدمات ستارلينك لن تكون متاحة لكل المواطنين، ما يفرض على الدولة مسؤولية ضمان بدائل فعالة".
من جهة أخرى، يرى منصور أن إدخال خدمات "ستارلينك" يطرح إشكالية سيادية، إذ إنها لا تمر عبر البنية المحلية التقليدية، ما يعقد تطبيق متطلبات النفاذ القانوني والرقابة المحلية، ويجعل هذه الإشكاليات عابرة للحدود. ورغم صعوبة التشويش على هذه التقنية، يفتح استخدامها الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بالرقابة والأمن، خصوصا أن هذا النوع من الخدمات يفرض، في ظرف أمني شديد الحساسية، مزيدا من التشدد في كل ما يتعلق بالسيادة الرقمية والرقابة القانونية، ولا سيما في ظل ما أظهرته التطورات الأمنية من خطورة بالغة لأي ثغرة في إدارة بيانات الاتصالات ومساراتها.
إلى ذلك، يشير منصور إلى أن "أهمية الاتصالات في أوقات الحرب تتجاوز البعد التقني لتصبح حاجة إنسانية أساسية، إذ يحتاج الناس إلى التواصل والوصول إلى المعلومات".
من هنا، يدعو وزارة الاتصالات وشركتي الخليوي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، من بينها تمديد صلاحية الخطوط المسبقة الدفع، وطرح باقات طوارئ بأسعار مخفضة، وتأمين خدمة الإنترنت اللاسلكي في مراكز الإيواء، إضافة إلى وضع فرق طوارئ في جهوزية كاملة، واعتماد الشفافية عبر إصدار تقارير دورية عن وضع الشبكات والأعطال.