المصدر: نداء الوطن
الكاتب: باسكال صوما
الخميس 21 أيار 2026 06:27:58
أكثر من 16 مستشفى في الجنوب تعرّضت لأضرار جزئية أو كلية نتيجة الغارات، فيما خرجت 4 مستشفيات، إضافة إلى مراكز رعاية أولية ونقاط إسعاف، عن العمل بالكامل بسبب القصف أو الإنذارات الإسرائيلية. في ظل ذلك، يواجه القطاع الصحي في جنوب لبنان تحديات كبيرة، لا سيما مع استهداف مسعفين ونزوح عدد من الكوادر الطبية والأطباء.
وبحسب مصادر خاصة لـ"نداء الوطن"، فـ"مستشفيات الجنوب، وبينها الحكومية وتلك التابعة للثنائي الشيعي، هي في حالة طوارئ دائمة، لأن عدد الأطباء والممرضين غير كافٍ، لذلك تركز المستشفيات على استقبال حالات الجرحى والمصابين أو القتلى المحتاجين إلى برادات، وأعدادها محدودة في عدد من المستشفيات، فيتم نقل الجثامين إلى مستشفيات أخرى". وتضيف المصادر: "المستشفيات كانت تستقبل أعدادًا كبيرة من الجرحى، وفي النبطية تحديدًا، التي شهدت قصفًا عنيفًا، كان الجرحى يقسمون بين مستشفى النبطية الحكومي ومستشفى راغب حرب. فيتم إجراء العمليات والإجراءات العاجلة قبل توزيع الجرحى على مستشفيات أخرى في بيروت وصيدا".
وتضيف المصادر: "في الحرب الماضية، عانت المستشفيات الواقعة في أماكن القصف العنيف من أن الأطباء والعاملين في القطاع الصحي لم يلبّوا النداء بسبب الخوف، لذلك تم فصل بعض الأطباء ونقل ممرضين آخرين إلى مناطق أخرى، لذلك اتخذت بعض المستشفيات، ومنها راغب حرب، خطة بديلة في الحرب الحالية، هدفها اقتصار العمل على أقسام معينة واستقبال حالات الجرحى والحالات الطارئة فقط".
يروي أحد الأطباء، وهو يعمل في أكثر من مستشفى في جنوب لبنان، أن "الوضع غاية في الخطورة والكادر الطبي منهك، لا سيما في ظل القصف الذي تتعرض له المستشفيات ومحيطها، ما يجعل العمل خطيرًا، لذلك خسرنا عددًا كبيرًا من الأطباء والممرضين الذين فضّلوا مغادرة الجنوب". ويتابع: "بعض المقاتلين الذين تعرضوا لإصابات خطيرة يحتاجون إلى رعاية طويلة في المستشفيات المنهكة أصلا، حتى إن بعضهم يعاني منذ حرب 2024 من إصابات خطيرة أو حالات صحية صعبة، ونقلهم إلى مستشفيات أخرى تشوبه مخاطر في بعض الأحيان، بسبب استهداف المسعفين وسيارات الإسعاف".
ووفق رئيس لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبدالله، أدّى التصعيد إلى خسارة 121 طبيبًا ومسعفًا وعاملا صحيًا لحياتهم، إضافة إلى تدمير أكثر من 100 سيارة إسعاف كانت تُستخدم لنقل الجرحى والمصابين من القرى الحدودية.
ومع تعرّض مستشفيات عدة للقصف والتدمير وخسارة عشرات العاملين في القطاع الصحي، اضطرت وزارة الصحة إلى إعادة توزيع الكوادر الطبية على مستشفيات صور والنبطية وجبل لبنان لتعويض النقص الحاد في الأطباء والممرضين.
علمًا أن العاملين حاليًا في المستشفيات يداومون لساعات طويلة لسد الحاجة الكبيرة، وهم يعيشون داخل مكان العمل، حفاظًا على سلامتهم ولمواكبة الضغط الحاصل. وبالفعل، تحوّلت بعض المستشفيات، خصوصًا في صور والنبطية، إلى ما يشبه مراكز إيواء للكوادر الطبية وعائلاتهم، بعد بدء التصعيد العسكري في 2 آذار الماضي. وبحسب مصدر "نداء الوطن"، فإن عددًا من هذه العائلات غادر المستشفيات مع إعلان وقف إطلاق النار وانتقل إلى بيوت الأقارب أو مراكز إيواء، فيما لم يملك عدد من العائلات الأخرى حلًا آخر سوى البقاء داخل المستشفيات.
المسعفون تحت النار
يقول رامي، وهو مسعف في الهلال الأحمر، إن "فرق الإسعاف تسير بين النيران لمساعدة الجرحى، وأحيانًا نضطر إلى سلوك طرق ترابية أو جانبية، بسبب استهداف طرق وجسور أساسية، لا سيما في القرى الحدودية. الوضع هناك صعب جدًا، وقد خسرنا رفاقًا لنا كانوا في مهمات، بعدما تم استهدافهم".
وهو ما يؤكده الدكتور حسن وزني، مدير مستشفى النبطية الحكومي، في حديث لـ"نداء الوطن"، إذ يوضح أن "المسعفين يواجهون أخطر الظروف الميدانية. فعمليات الإجلاء غالبًا ما تتم تحت القصف أو في مناطق مهددة بالغارات، بينما تعيق الطرقات المدمرة وصول سيارات الإسعاف إلى الجرحى بالسرعة المطلوبة. وبالفعل تعرضت فرق إسعاف للقصف والاستهداف، وهذا تحدّ كبير".
ويتابع وزني: "وضع المستشفيات لا يزال مقبولا، ويتم التركيز على الجرحى حاليًا لأننا في حالة طوارئ، ويتم تأمين حاجاتنا من وزارة الصحة بقدر المستطاع". وعن مستشفى النبطية يقول: "هذا المستشفى فيه 170 سريرًا وكان يعمل فيه حوالى 370 ممرضًا و150 طبيبًا، لكن بسبب ظروف الحرب لم يبقَ إلا 70 موظفًا تقريبًا وبين 12 و14 طبيبًا يحاولون سد الحاجات كلها".
مستشفى تبنين
وفي مستشفى تبنين الحكومي، الذي يبعد نحو عشر دقائق عن بنت جبيل التي وُصفت بأم المعارك، يروي أحد العاملين أن حجم الضغط الذي تعرّض له المستشفى يفوق كل كلام، إضافة إلى الخطر الأمني، علمًا أن محيط المستشفى تعرّض للقصف. "حين كانت المعارك محتدمة في بنت جبيل، لم نكن نعرف النهار من الليل بسبب كثرة الجرحى من المقاتلين والمدنيين الذين تحتاج إصاباتهم إلى عناية خاصة ودقيقة. وكان المستشفى، ككل مستشفيات الجنوب، يعاني من نقص لوجستي وبشري، وكان مستشفى تبنين الأقرب إلى بنت جبيل بعد خروج مستشفيات أخرى من الخدمة".
من الواضح أن من دخل حرب إسناد أخرى لم يأبه بأن الأرضية الإنسانية لبيئته هشة ولا تحتمل ضغطًا إضافيًا من الدم والإصابات والحاجة إلى الرعاية. وكما قال أحد العاملين في مستشفى النبطية: "الهدنة كانت جحيمًا، فماذا لو عادت الحرب؟".