مشاعات لبنان ليست احتياطًا ماليًا لإفلاس الدولة ولا تعويضاً عن مغامرات حزب الله!

لم تكن مشاعات جبل لبنان يومًا مجرد مساحات عقارية تنتظر من يسجلها في دفاتر الدولة، بل كانت جزءًا من تاريخ القرى وذاكرتها الجماعية، ومساحة نشأت حولها علاقات اجتماعية وأعراف محلية امتدت لعشرات ومئات السنين. هي ملكية ذات طبيعة خاصة، لا تُختصر بسند عقاري، لأنها ترتبط بنشأة القرى نفسها وبالعلاقة التي نسجها أبناء المناطق مع أرضهم.

من هنا، فإن الجدل الذي عاد إلى الواجهة في السنوات الأخيرة حول مصير مشاعات جبل لبنان لا يتعلق فقط بإجراء إداري أو تفسير قانوني، بل يفتح نقاشًا أعمق حول طبيعة الدولة التي يريدها اللبنانيون: دولة تحترم التوازنات المحلية وتاريخ المجتمعات، أم دولة توسّع قبضتها المركزية على حساب خصوصيات المناطق؟

القضية ليست جديدة. فقد شهدت السنوات الماضية محاولات متكررة للتعامل مع المشاعات غير الممسوحة وفق مقاربة تنقلها تدريجيًا إلى إطار ملكية الدولة، وبرز ذلك خصوصًا خلال عهد وزير المالية السابق علي حسن خليل، حين أثير جدل واسع حول آليات تسجيل هذه الأراضي والجهة التي تعود إليها ملكيتها. واليوم عاد النقاش مع قرار وزير المالية ياسين جابر الذي أعاد فتح الملف وأطلق مواجهة قانونية وسياسية حول مستقبل هذه الأراضي.

المشكلة الأساسية أن المشاعات ليست مجرد عقارات. فالقرى اللبنانية، وخصوصًا في جبل لبنان، قامت على تركيبة دقيقة من العائلات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية. لكل قرية تاريخها، ولكل أرض روايتها، ولكل حدود غير مكتوبة توازناتها التي حافظت عليها الأجيال. صحيح أن نزاعات حدودية ظهرت أحيانًا بين بعض القرى، كما حصل بين اليمونة والعاقورة على سبيل المثال، لكن هذه الحالات بقيت استثناءات ضمن نظام عرفي حافظ، في غالبية الأحيان، على استقرار طويل بين أبناء القرى.

ما يثير القلق اليوم هو محاولة تحويل هذا الإرث التاريخي من مفهوم "مشاعات القرى" إلى مفهوم "مشاعات جمهورية"، بحيث تصبح هذه الأراضي تحت سلطة مركزية واسعة لوزارة المالية، بما يسمح للدولة بالتعامل معها كجزء من أملاكها وإدارتها.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: ففي الوقت الذي يتجه فيه النقاش الوطني نحو تعزيز اللامركزية الإدارية الموسعة باعتبارها أحد الحلول لأزمات لبنان، تأتي مقاربة نقل إدارة المشاعات نحو "المركزية" لتسير بعكس الاتجاه المطلوب. فالمجتمعات المحلية التي حافظت على هذه الأراضي تاريخيًا وفق أعرافها وتوازناتها، يجري عمليًا إخضاعها لمنطق مركزي لم يثبت نجاحه في إدارة بقية ملفات الدولة.

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن الأزمة المالية التي تعيشها الدولة اللبنانية. فبعد سنوات من سوء الإدارة والانهيار المالي، يبحث البعض عن مصادر جديدة للتمويل أو أصول يمكن استخدامها لسد فجوات الدولة، بدل معالجة جذور الأزمة وبناء دولة منتجة وفعالة. لكن الحل لأزمة الخزينة لا يكون بوضع اليد على أملاك القرى أو المساس بإرث اجتماعي عمره قرون، بل بإصلاح الدولة ومؤسساتها.

في هذا السياق، اختار حزب الكتائب اللبنانية أن يخوض المواجهة من زاوية مختلفة: حماية حق القرى وأهاليها، واعتبار المشاعات جزءًا من الإرث الوطني والاجتماعي الذي لا يجوز التعامل معه كرقم في سجلات الدولة.

ومن هنا جاءت خطوة النائب الياس حنكش الذي تقدم بطعن أمام مجلس شورى الدولة بقرار وزير المالية، معتبرًا أن التعميم المطعون به يمس بطبيعة الملكية "المشاعية" ويطرح إشكالية قانونية حول صلاحية الإدارة في تغيير واقع قائم منذ عقود.

وقد شكّل قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ القرار محطة أساسية في هذا المسار، إذ منع تطبيق التعميم إلى حين متابعة النظر في أساس القضية. وهو قرار مهم أعاد الاعتبار لدور القضاء الإداري كضامن في مواجهة أي قرار قد يمس بحقوق الملكية، لكنه في الوقت نفسه لا يعني إبطال القرار نهائيًا، ما يجعل المعركة القانونية مستمرة.

المفارقة أن هذه القضية التي تمس آلاف العائلات وذاكرة قرى بأكملها لم تحظَ بالاهتمام السياسي المطلوب، فيما اختار حزب الكتائب والنائب حنكش تحمل مسؤولية المواجهة القانونية حتى النهاية، بعيدًا عن الحسابات الشعبوية أو المزايدات.

فالمعركة اليوم ليست فقط على أرض هنا أو عقار هناك، بل على مبدأ أساسي: هل تبقى الدولة شريكًا يحمي خصوصيات مجتمعاتها المحلية، أم تتحول إلى طرف ينازعها على إرثها التاريخي؟

مشاعات لبنان ليست غنيمة عقارية، وليست احتياطًا ماليًا لدولة أفلست بفعل سياسات خاطئة، ولا تعويضاً عن مغامرات عسكرية فاشلة، إنها ذاكرة قرى وأجيال، وحماية هذه الذاكرة هي حماية لجزء من هوية لبنان نفسه.