مصطفى جحا… شهيد الكلمة الذي اغتيل لأنّه كتب

في السادس من أيار، لا يستعيد اللبنانيون ذكرى شهداء الصحافة فحسب، بل يستحضرون وجوهًا آمنت بأن الكلمة ليست مهنة فقط، بل موقفًا ومصيرًا. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الكاتب والصحافي اللبناني مصطفى جحا، الذي دفع حياته ثمنًا لكتاباته الجريئة ومواقفه السياسية والفكرية الصادمة في زمنٍ كان الرصاص فيه أسرع من الحوار.

كان مصطفى جحا واحدًا من أكثر الكتّاب اللبنانيين إثارةً للجدل في الثمانينيات وبداية التسعينيات. لم يهادن السلطة، ولم يساوم على قناعاته، فكتب بجرأة عن النفوذ السوري في لبنان، وانتقد الثورة الإيرانية ومشروع “ولاية الفقيه”، وخاض سجالات فكرية ودينية حادة جعلته هدفًا دائمًا للتهديد والتحريض.

وُلد جحا عام 1942 في بلدة الجبين الجنوبية، وبرز اسمه في الصحافة اللبنانية من خلال مقالاته السياسية والفكرية التي نشرها في عدد من الصحف اللبنانية البارزة، أبرزها صحيفة “النهار”، و“الأحرار”، و“العمل”، حيث عُرف بأسلوبه المباشر والحاد، و إصراره على الدفاع عن فكرة الدولة اللبنانية والسيادة الوطنية في مواجهة مشاريع الهيمنة الإقليمية.

لم يكن مجرد صحافي يكتب افتتاحيات أو مقالات عابرة، بل كان صاحب مشروع فكري واضح، حمله إلى القرّاء عبر مقالاته وكتبه التي أحدثت ضجة واسعة، واعتُبرت السبب المباشر في وضعه على قوائم الاغتيال.

كان كتابه الأشهر “الخميني يغتال زرادشت” نقطة التحوّل الأخطر في حياته. ففي هذا الكتاب، وجّه جحا نقدًا عنيفًا للثورة الإيرانية ونظرية ولاية الفقيه، معتبرًا أنّ المشروع الإيراني يهدد الهوية اللبنانية والتنوع الفكري داخل الطائفة الشيعية نفسها. أثار الكتاب موجة غضب كبيرة، وتعرّض بعده لحملات تخوين وتكفير وتهديدات علنية.

ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أصدر كتاب “لبنان في ظلال البعث” الذي هاجم فيه النفوذ السوري والأجهزة الأمنية السورية في لبنان، في مرحلة كانت فيها الوصاية السورية في ذروة قوتها. كما أثار كتابه “محنة العقل في الإسلام” جدلًا دينيًا واسعًا بسبب قراءاته النقدية الجريئة، فيما حمل كتابه “رسالتي إلى المسيحيين” دعوة واضحة للتمسك بلبنان الحر والتعددي.

كان مصطفى جحا يدرك تمامًا أنّه يسير في حقل ألغام، وأنّ الكلمات التي يكتبها قد تتحول إلى حكم بالإعدام. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يخفف من حدة مواقفه، بل استمر في الكتابة حتى اللحظة الأخيرة.

وفي صباح 15 كانون الثاني 1992، دوّى الرصاص في منطقة السبتية قرب بيروت، ليسقط مصطفى جحا اغتيالًا داخل سيارته. رحل الرجل، لكن الجريمة بقيت بلا حقيقة مكتملة، وبقي السؤال معلقًا: من يخاف إلى هذا الحد من كتاب؟ ومن يرتعب من مقال؟

في ذكرى شهداء الصحافة، يعود اسم مصطفى جحا بوصفه نموذجًا للكاتب الذي لم يفصل بين القلم والقضية، وبين الرأي والمخاطرة. فقد آمن أنّ الصحافة ليست وظيفة، بل شهادة، وأن الكلمة الحرة قد تُغتال جسدًا، لكنها تبقى حيّة في الذاكرة والتاريخ.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على اغتياله، لا يزال مصطفى جحا حاضرًا في النقاش اللبناني كلما طُرح سؤال الحرية والسيادة وحدود الكلمة. وربما هذا هو الانتصار الأخير لأي صحافي: أن يُقتل جسده، فيما تبقى أفكاره حيّة، تُقلق، وتُناقش، وتُقرأ