المصدر: سكاي نيوز
الأربعاء 12 آب 2026 01:16:03
نقل الحكم الغيابي بإعدام الرئيس السوري السابق بشار الأسد قضيته من قاعة محكمة الجنايات في دمشق إلى موسكو، حيث يقيم منذ سقوط نظامه، وأعاد طرح سؤال بدا سياسيا لسنوات، لكنه يستند الآن إلى وثيقة قانونية نافذة: هل تلتزم روسيا بمعاهدة تسليم المطلوبين التي وقعتها مع سوريا وصدّق عليها الأسد نفسه؟
وكانت محكمة جنايات دمشق قد أدانت الأسد، الثلاثاء، بالقتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأصدرت بحقه أول حكم قضائي سوري منذ سقوط نظامه وفراره إلى روسيا في ديسمبر 2024.
لكن المفارقة أن الطريق القانوني المحتمل لإعادته إلى دمشق مهّده نظامه قبل سقوطه؛ إذ وقّعت روسيا وسوريا في سان بطرسبورغ، في 29 يونيو 2022، معاهدة للتسليم والتعاون القضائي.
وصدّق الأسد على المعاهدة في العام نفسه، قبل أن تصادق عليها روسيا بقانون اتحادي وقّعه الرئيس فلاديمير بوتين في أبريل 2023، وتدخل حيز التنفيذ في 5 يونيو من العام ذاته.
المعاهدة تشمل جرائم ما قبل توقيعها
تنص المادة الأولى من المعاهدة على التزام البلدين بتسليم الأشخاص المطلوبين بغرض الملاحقة الجنائية أو تنفيذ الأحكام القضائية في الجرائم التي تستوجب التسليم.
وتكتسب المادة الثانية أهمية خاصة في قضية الأسد، إذ تقرر سريان المعاهدة على الطلبات المقدمة بعد دخولها حيز التنفيذ، حتى إذا تعلقت بجرائم ارتُكبت قبل ذلك التاريخ.
وبذلك لا تستطيع موسكو رفض الطلب لمجرد أن الوقائع المنسوبة إلى الأسد تعود إلى عام 2011 والسنوات اللاحقة، أي قبل توقيع المعاهدة.
وتشترط الوثيقة أن يكون الفعل مجرّما في الدولتين ويستوجب السجن عاما واحدا على الأقل أو عقوبة أشد. وتحقق تهم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي هذا الشرط من حيث المبدأ، حتى مع اختلاف توصيف "الجرائم ضد الإنسانية" بين النظامين القانونيين.
وبموجب المعاهدة، تتولى وزارة العدل السورية إرسال طلب التسليم ووثائقه مباشرة إلى مكتب المدعي العام الروسي، متضمنا الحكم ومذكرة القبض وهوية المطلوب وملخص الوقائع والأدلة والنصوص القانونية المطبقة.
الإعدام يمنح موسكو بوابة للرفض
رغم وضوح أساس التسليم، يتضمن نص المعاهدة عقبة قد تكون حاسمة. فالمادة الخامسة تمنع التسليم إذا كانت الجريمة تستوجب الإعدام في الدولة الطالبة، إلا إذا قدمت تلك الدولة ضمانا تراه موسكو كافيا بعدم تطبيق العقوبة.
وهنا يتحول حكم الإعدام نفسه إلى أقوى مبرر قانوني يمكن أن تستخدمه روسيا لرفض تسليم الأسد.
ولرفع هذه العقبة، يتعين على دمشق تقديم تعهد رسمي وملزم بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام أو استبدالها بعقوبة سالبة للحرية. وقد تطلب موسكو أيضا ضمانات بشأن سلامته وظروف احتجازه وعدالة محاكمته.
كما تتيح المعاهدة رفض التسليم إذا رأت الدولة المطلوب منها أن الطلب يستهدف الشخص بسبب معتقداته السياسية، أو أن التسليم قد يضر بسيادتها أو أمنها أو نظامها العام أو مصالحها الأساسية.
ويمثل البند الأخير مساحة واسعة للتقدير الروسي، تسمح لموسكو بتحويل القرار القانوني إلى قرار سياسي، حتى مع استيفاء الطلب السوري بقية الشروط.
لن يقتاد مباشرة إلى الإعدام
حتى إذا وافقت روسيا على التسليم، فلن يعني ذلك نقل الأسد مباشرة لتنفيذ الحكم.
فالمادة 333 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري تنص على أن الحكم الغيابي يلغى حكما بمجرد تسليم المتهم نفسه أو القبض عليه، وأن المحاكمة تعاد وفق الأصول العادية.
وعليه، سيحاكم الأسد حضوريا من جديد، مع تمكينه من الدفاع ومناقشة الشهود والأدلة. وإذا صدر بحقه حكم إعدام جديد، فسيمر عبر مراحل المراجعة القضائية، وفي مقدمتها محكمة النقض.
ويمنح ذلك دمشق مخرجا يسمح لها بطلب تسليمه بغرض إعادة محاكمته، مع تقديم ضمان بعدم تنفيذ الإعدام، بدلا من طلبه لتنفيذ الحكم الغيابي الحالي.
السياسة تمسك بالمفتاح
لا تشكل إقامة الأسد في روسيا أو منحه اللجوء الإنساني حصانة قانونية مطلقة، لكنها تعكس قرارا سياسيا اتخذته القيادة الروسية بحمايته بعد سقوط نظامه.
وفي المقابل، شهدت العلاقات بين موسكو والسلطات السورية الجديدة تقاربا تدريجيا ومفاوضات بشأن الوجود العسكري الروسي والمصالح الاقتصادية، ما يجعل ملف الأسد ورقة محتملة في أي تفاهم أوسع بين الجانبين.
وبذلك لا تجبر المعاهدة موسكو على تسليم الأسد آلياً، لكنها تسقط حجة عدم وجود أساس قانوني للتسليم، وتُلزم روسيا بالنظر رسميا في أي طلب سوري وتبرير رفضه كليا أو جزئيا.
أما الإجابة الأقرب في الوقت الراهن، فهي أن روسيا لن تسلمه بالاستناد إلى حكم يتضمن الإعدام، لكن الباب القانوني يظل مفتوحا إذا ضمنت دمشق عدم تنفيذ العقوبة وتبدلت الحسابات السياسية في الكرملين.
وهكذا تبدو المعاهدة التي صدّق عليها الأسد قبل سقوطه سيفا ذا حدين: تمنح دمشق طريقا لملاحقته، وتمنح موسكو في الوقت نفسه بنودا كافية لحمايته.