معرض بيروت للكتاب هل من يتذكّره؟

كتب راغب جابر في النهار العربي: من مظاهر الانهيار المريع للبنان وموقعه ودوره انهيار صناعة الكتاب فيه ونشره. فللعام الثالث على التوالي بغيب معرض الكتاب العربي والدولي عن بيروت عاصمة النشر والتوزيع العربية، والذي كان يشكل أبرز تظاهرة ثقافية في البلد منذ انطلاقته قبل 65 سنة، قبل أن تلحق به تباعاً معارض تقام في العواصم العربية واحدة تلو الأخرى.


في إحدى أمسيات معرض بغداد للكتاب أخيراً، بغداد التي كان يقال إن بيروت تنشر لتقرأ بغداد، كان الحضور رائعاً في لقاء مع الروائي والكاتب المصري المعروف يوسف زيدان، الذي عبر عن سعادته بمشاركة المئات من الشباب العراقي في نقاش فكري، في وقت ينصرف فيه العرب عموماً عن القراءة الى مشاهدة مباريات كرة القدم ووسائل التواصل الاجتماعي ونشاطات الترفيه البدني الأخرى.

سبقت معرض بغداد معارض، وستتبعه معارض في القاهرة ومسقط والبحرين وأبو ظبي وعمان والدوحة وفلسطين وجدة والرياض... عدا معارض المدن والأطراف، وبيروت غائبة. بيروت السباقة خارج السباق، ويكاد المعرض يصبح جزءاً من تاريخها بعدما ثبت 62 عاماً، حتى في عز الحرب الأهلية.
في الأسبوع الأخير من تشرين الثاني (نوفمبر) والنصف الأول من كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، كانت بيروت تحتفي بنفسها في عرس الكتاب، وتدعو الى العرس كل أهل البلد وجيرانهم. حتى أصبح المعرض جزءاً من تاريخ البلد وبصمته الوراثية وجينومه. كان من غير الممكن تصور نهاية العام في بيروت من دون معرض الكتاب. كان ثالث أعياد كانون مع الميلاد ورأس السنة. شهر الفرح والاحتفال هذا فقد أطول فرحاته بغياب معرض الكتاب.

من يعرف بيروت ويتذكر يدرك معنى أن يغيب معرض الكتاب عنها، وأن تمضي أيام نهاية العام على وقع احتضار مؤلم لأحد أهم الفاعليات الثقافية في العالم العربي الذي هو بأشد الحاجة الى الكتاب.

بغياب المعرض، يغيب ذلك المشهد المهيب عند واجهة بيروت البحرية، حيث الألوف المؤلفة تتزاحم على المداخل وداخل الصالة الكبرى للمعرض وفي منتدياته المتنوعة التي تستضيف نخبة المؤلفين العرب واللبنانيين، وحتى في مقهاه. يغيب الكتاب والناشرون المحليون والعرب والدوليون الذين كانوا يقصدون المعرض، ليس فقط لبيع منشورات دورهم، بل لأن جاذبية بيروت ومعرضها لا تترك مجالاً للتردد. كانت بيروت تشكل قوة جذب سحرية لكل المهتمين بصناعة الكتاب من أدباء ومفكرين وشعراء وروائيين ومؤرخين وناشرين.

معرض بيروت هو معرض النشر الأنيق والطباعة المتميزة، لكنه، وهذا الأهم، هو معرض النشر الحر. بيروت، رغم كل شيء هي عاصمة الحرية. حرية التفكير والتعبير والنشر. فضاؤها يتسع للموالين والمعارضين وحتى لأصحاب الأفكار الغريبة والمجنونة، يقصدونها من كل زوايا العالم العربي. التعددية والحرية في بيروت استقطبتا الممنوعين والمحظورين في أكثر من بلد الذين وجدوا فيها ملاذاً وداراً تستقبلهم وتنشر إنتاجهم وتوزعه، وجمهوراً يتقبله، أو على الأقل يترك للآخرين حرية تقبله. وهنا يشكل الغياب خسارة لأهل الكتاب في لبنان والعالم العربي معاً، ولجمهور القراء من المحيط الى الخليج.

في بلد ينهار كل شيء فيه، ويفقد المواطن قدرته على تأمين القوت والطبابة وتعليم أولاده... وكرامته، لا يعود أحد يلتفت الى "حدث" جلل مثل غياب معرض الكتاب. فالحياة تفرض أولوياتها التي لم يعد الكتاب جزءاً منها، وهو في المناسبة صار خارج متناول الطبقة الوسطى بسبب ارتفاع أسعاره، فكيف بالطبقة الفقيرة التي كان المعرض مناسبة لها للشراء بأسعار مخفضة والعثور على كتب قديمة بأسعار رمزية، ثم من ذا الذي كان يؤلف ويطبع خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تصرب لبنان منذ ثلاث سنوات؟

ربما تكون الطبقة السياسية غير مهتمة بمثل هذه التظاهرة الراقية، أو غير مدركة أهميتها، متجاهلتها كما تتجاهل غيرها من التظاهرات المشابهة. وربما لن يؤثر غياب المعرض في الحياة اليومية المأزومة في السياسة والاقتصاد والأمن، وفي البحث عن مشكلات، لا عن حلول، لكنه يبقى (الغياب) إشارة شؤم الى مستقبل قاتم إذا عطف على مجمل الوضع المضطرب الذي يعيشه البلد المنخور بألف علة وعلة.

موسم ثالث يمضي بلا معرض بيروت للكتاب، عساه يكون آخر السنوات العجاف كي لا تتكرس بيروت معرضاً للبلايا، وينسى اللبنانيون أنه كان لهم في ماضي الأيام أجمل معرض للكتاب العربي والدولي.