المصدر: وكالات
الثلاثاء 17 آذار 2026 16:49:55
يرى مركز ألما للدراسات أن استهداف ما يُعرف بـ"مراكز المعرفة" داخل حزب الله يشكّل إحدى الأدوات الأكثر فاعلية في تعطيل منظومة بناء القوة لدى التنظيم، إذ لا يقتصر على استهداف القيادات أو البنى التحتية، بل يطال الحلقة التي تُنتج المعرفة وتحوّلها إلى قدرات عسكرية عملية.
وبحسب المركز، تنطلق هذه المقاربة من إدراك أن المعرفة التكنولوجية والهندسية والعلمية داخل حزب الله غالبًا ما تكون متمركزة لدى عدد محدود نسبيًا من الخبراء. وبالتالي، فإن استهداف هؤلاء لا يؤدي فقط إلى خسارة أفراد، بل إلى إحداث خلل واسع في منظومة الإنتاج والتطوير، قد يفوق في تأثيره تدمير الوسائل المادية أو المنشآت التشغيلية.
ويشير التقرير إلى أن "مراكز المعرفة" تتركّز أساسًا ضمن "مديرية الإنتاج"، التي تُعدّ مركزًا رئيسيًا للقدرات التكنولوجية، وتتولى تنسيق جهود البحث والتطوير والإنتاج للأسلحة الاستراتيجية، بما في ذلك مشروع تصنيع وتحويل الصواريخ الدقيقة. كما تشمل هذه المراكز الوحدة 127 (الوحدة الجوية)، المسؤولة عن مجمل منظومة الطائرات المسيّرة، من البحث والتطوير إلى الإنتاج والصيانة والتجميع والتحديث، قبل توزيع هذه القدرات على وحدات مختلفة مثل وحدة الرضوان والوحدات الجغرافية.
وفي سياق تطوّر العقيدة العسكرية للحزب، يلفت المركز إلى أن السنوات الأخيرة شهدت توجّهًا متزايدًا نحو تعزيز الإنتاج الذاتي للأسلحة داخل لبنان، نتيجة تزايد صعوبات تهريب الأسلحة عبر المسارات البرية والجوية والبحرية. وقد دفع ذلك الحزب إلى ما يصفه التقرير بـ"نقل المصنع إلى الداخل"، أي إنشاء بنى تحتية داخلية للتطوير والإنتاج، وهو ما زاد من الاعتماد على الكوادر البشرية المتخصصة، من مهندسين وباحثين وخبراء تكنولوجيا وفنيين، بوصفهم عنصرًا حاسمًا في هذه العملية.
وفي هذا الإطار، يعرض التقرير مفهوم "سلسلة المعرفة" التي تقوم عليها عملية بناء القوة داخل الحزب، وتتكوّن من أربع حلقات مترابطة:
أولًا، نقل المعرفة من مصادر خارجية، سواء من إيران أو من جهات أخرى أو من الأوساط الأكاديمية؛
ثانيًا، "مراكز المعرفة"، أي الأفراد والخبراء الذين يمتلكون المعرفة التخصصية ويطوّرونها؛
ثالثًا، كوادر التطوير والإنتاج، الذين يحوّلون هذه المعرفة إلى أنظمة وقدرات عملية (صواريخ، طائرات مسيّرة، تقنيات تشغيلية وغيرها)؛
ورابعًا، الوحدات العملياتية التي تتلقى المنتج النهائي على شكل أسلحة أو تدريب تشغيلي.
ويؤكد المركز أن استهداف "مراكز المعرفة" يهدف إلى ضرب هذه السلسلة في حلقتها الأكثر حساسية، إذ يؤدي تعطيلها إلى إحداث انقطاع ينعكس على كامل المنظومة، من التطوير إلى الاستخدام الميداني.
ويعرّف التقرير "مركز المعرفة" بأنه شخص أو مجموعة أو وحدة تمتلك معرفة مهنية أو تكنولوجية أو تنظيمية حاسمة، وتشكل عنصرًا مركزيًا في عمل التنظيم وتطوره. وتتميّز هذه المراكز بتراكم خبرات فريدة وكفاءات تخصصية تجعلها بمثابة حلقة وصل بين المعرفة النظرية وتطبيقها العملي. وفي حالة حزب الله، يشمل ذلك مهندسين، وخبراء بحث وتطوير، ومتخصصين في الأنظمة الإلكترونية، والطائرات غير المأهولة، وتطوير وتحسين وإنتاج الأسلحة.
وفي ما يتصل بالأمثلة الميدانية، يشير التقرير إلى عملية اغتيال الدكتور حسين بزّي والدكتور مرتضى سرور في 12 آذار/مارس 2026 داخل كلية العلوم في الجامعة اللبنانية – الحدث. فبحسب المعطيات التي يستند إليها المركز، لم يكن الرجلان مجرد أكاديميين، بل كانا يؤديان دورًا ضمن "مراكز المعرفة" المرتبطة بالبرامج التكنولوجية–العسكرية للحزب، وهو نمط يصفه التقرير بالمألوف، حيث يعمل عناصر ضمن أطر مدنية ويستثمرون خبراتهم لخدمة نشاطات الحزب.
ويفصّل التقرير في اختصاصاتهما، إذ كان مرتضى سرور متخصصًا في الفيزياء والهندسة، في مجالات مثل ديناميكيات الدفع والبالستيات والميكانيكا المرتبطة بالديناميكا الهوائية وتصميم الطائرات، فيما كان حسين بزّي خبيرًا في تكنولوجيا النانو، وهي من المجالات المتقدمة التي تُستخدم في الصناعات العسكرية وصناعة الطيران، وتشمل تطبيقاتها تطوير مواد خفيفة ومتقدمة وأنظمة مرتبطة بالدفع وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومكوّنات الحماية.
كما يربط التقرير بين بزّي وقيادات عسكرية في الحزب، مشيرًا إلى ظهوره إلى جانب إبراهيم عقيل، في ما يُرجّح أنه كان ضمن إطار مهني مرتبط بمنظومة العمليات أو وحدة الرضوان.
ويضع المركز هذه العملية ضمن نمط أوسع من استهداف “مراكز المعرفة”، مستعرضًا حالات سابقة، منها اغتيال هيثم مصطفى العطار في تموز 2024، وهو عنصر مركزي في الوحدة 127 تلقّى تدريبات في إيران، واغتيال محمد يوسف أنيسي في تشرين الأول 2024، وهو خبير في الهندسة الميكانيكية ومن قادة مشروع الصواريخ الدقيقة، إضافة إلى اغتيال المهندس حسين نزيه برجي في أيار 2025، وهو من الشخصيات المحورية في "مديرية الإنتاج" والمسؤول عن تطوير البنية التحتية لإنتاج الصواريخ الدقيقة أرض–أرض.
ويخلص مركز ألما إلى أن استهداف "مراكز المعرفة" يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى إضعاف القدرة الذاتية لحزب الله على التطوير والإنتاج، من خلال ضرب العنصر البشري المتخصص الذي يشكّل العمود الفقري لهذه المنظومة، وبالتالي إحداث تأثير تراكمي طويل الأمد على قدراته العسكرية.