مع عودة مفاوضات لبنان وإسرائيل.. شروط أميركية جديدة تطارد منظومة حزب الله

ارتفعت وتيرة التحركات الدبلوماسية الأميركية الهادفة إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، وسط تقارير عن توجه لتوسيع مظلة  المفاوضات بين البلدين بغية تأمين غطاء سياسي مرن لنقاشاتها الحساسة بالتوازي مع التمهيد لتطبيق الاتفاق الأمني على الأرض. 
ويتزامن هذا الزخم مع ضغوط أميركية متصاعدة تواجهها حكومة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، لترجمة الالتزامات الدولية إلى إجراءات قضائية وإدارية صارمة تستهدف مباشرةً المؤسسات المالية والاجتماعية التابعة لحزب الله.

وقالت مصادر لبنانية مطلعة إن الجانب اللبناني تبلغ رسمياً بقرار استئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية ، حيث استقر الاختيار على مدينة تامبا بولاية فلوريدا (مقر القيادة المركزية الأميركية) لتكون مسرحاً لهذه الجولة المقررة في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

وأوضحت المصادر في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن هذه الجولة تكتسب صبغة عسكرية وأمنية بحتة، مبتعدة عن الأطر السياسية التقليدية لتجنب التجاذبات الانتخابية داخل إسرائيل؛ إذ يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى حسم الترتيبات الميدانية قبل موعد انتخابات الكنيست المرتقبة في السابع والعشرين من أكتوبر تشرين الأول.

وأشارت إلى أن مداولات الجولة الجديدة من المفاوضات ستتركز حول آليات تنفيذ صيغة الإطار الموقعة في 26 من حزيران/يونيو الماضي، وتحديداً الترتيبات الميدانية لوقف إطلاق النار وتوسيع النطاق الجغرافي لانسحاب القوات الإسرائيلية مقابل انتشار مكثف للجيش اللبناني.

شروط واشنطن
وكشفت المصادر اللبنانية عن فحوى اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بوزيري الخارجية والخزانة الأميركيين ماركو روبيو وسكوت بيسينت في واشنطن، حيث طرح الجانب الأميركي شروطاً  لا تقبل التأويل.

وأضافت أن واشنطن أبلغت الوفد اللبناني صراحةً بأن انتشار الجيش في الجنوب خطوة غير كافية، واشترطت إطلاق عمليات ميدانية فعلية تضمن حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك كافة المظاهر المسلحة والمخابئ العسكرية التابعة لحزب الله في كامل الأراضي اللبنانية دون الاكتفاء بالمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.

كما شدد روبيو على إلزام السلطات القضائية والأمنية اللبنانية باتخاذ حزمة ملاحقات قانونية مباشرة تستهدف الحزب ومؤسساته الموازية كشرط أساسي لضمان استقرار طويل الأمد.

الهيكل المالي تحت المقصلة
وبناءً على توجيهات وزارة الخزانة الأميركية الرامية إلى تجفيف منابع تمويل الشبكات الإيرانية، تُشير المصادر إلى أن حكومة سلام تتجه مرغمةً نحو اتخاذ قرارات إدارية وقانونية غير مسبوقة.

وتتمحور الإجراءات حول ملاحقة الكيانات المالية والاجتماعية واستهداف المؤسسات الموازية لحزب الله عبر وضعها تحت طائلة القانون المصرفي والجنائي اللبناني، بالإضافة إلى فرض رقابة مشددة على حركة  التحويلات المالية الخارجية والتدفقات النقدية عبر المرافق الحيوية للدولة، وتشمل مرفأ بيروت، ومطار رفيق الحريري الدولي، والحدود البرية المشتركة مع سوريا لمنع عمليات التهريب والالتفاف على العقوبات الدولية.

خطة لوجستية طارئة
وفي هذا السياق يؤكد المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج أن المعلومات المتوفرة  تفيد بأن قيادة الجيش اللبناني بدأت بالفعل بإعداد خطة لوجستية طارئة لزيادة عديد القوات المنتشرة في عمق الجنوب (مناطق النبطية وإقليم التفاح) لتكون جاهزة للمرحلة الأمنية المقبلة التي ستنبثق عن محادثات تامبا. 

ويوضح الحاج في تصريح لـ"إرم نيوز" أن خطة الجيش اللبناني لتعزيز انتشاره في النبطية وإقليم التفاح تمثل محاولة استباقية من بيروت لإثبات جديتها كشريك أمني قادر على ضبط الميدان؛ وتقديم نموذج عملي يؤكد جاهزية المؤسسة العسكرية للمرحلة الأمنية المقبلة التي ستنبثق عن مفاوضات تامبا.

ويؤكد أن هذه الخطوة تضع قيادة الجيش أمام تحدٍّ بالغ الخطورة يتجاوز مجرد زيادة عديد القوات؛ فالمعضلة الحقيقية تكمن في الفجوة الواسعة بين قدرة الجيش اللبناني على الانتشار اللوجستي، وبين الشروط الأميركية الإسرائيلية المتصلبة التي تشترط أن يترافق هذا الانتشار مع تفكيك فعلي لترسانة حزب الله ومخابئه، مما يجعل المهمة العسكرية محفوفة بمخاطر التصادم الداخلي.

وفي ضوء هذه المعطيات، لم تعد الدولة اللبنانية تبحث عن تسوية تقنية عابرة، بل باتت معركتها الدبلوماسية متمحورة حول حماية ثوابتها السيادية وصياغة واقعية سياسية تضمن حصر قرار الحرب والسلم بيد مؤسساتها الشرعية.