مفاوضات روما ثابتة: هل يسبقها كليرفيلد في ملفّ تثبيت الحدود؟

أكّد السفير الأميركيّ ميشال عيسى أمس المؤكّد: المطلوب سلاح “الحزب”. وبالتالي الكلام الملتبس عن مفاوضات عابرة للخصومة بين الإدارة الأميركيّة والضاحية الجنوبيّة لا يتجاوز هذا الهدف، ولو أنّ عيسى نفى هذا الاحتمال بقوله “الحزب لا يريد أن يتكلّم مع الدولة اللبنانيّة ولا مع أميركا ولا مع إسرائيل، ولا يأخذ أوامره إلّا من إيران، ونريده أن يسلّم سلاحه… وما بدنا شي زيادة منّو”.

 تفصل ساعات قليلة عن اجتماع سيعقده مجلس الأمن الدوليّ لبحث مصير قوّات “اليونيفيل” التي تستعدّ لمغادرة جنوب لبنان بشكل نهائيّ، وسط خشية تبديها السلطة اللبنانية من أن يحلّ الشغور محلّ القوّات الدوليّة من دون الاتّفاق على قوّة بديلة، دوليّة أو أوروبيّة، وذلك للأسباب التالية:

  • أُقحِم مصير القوّة البديلة التي ستحلّ محلّ “اليونيفيل” في الصراع الإقليميّ، أي الأميركيّ – الإيرانيّ الذي يربط الملفّ اللبنانيّ ارتباطاً عضويّاً بملفّات المنطقة، وهو ما يحول دون فصل بعضهما عن بعض. إذ إنّ إنشاء قوّة دوليّة بقرار من مجلس الأمن يحتاج إلى تجاوز حقّ النقض، وهو أمر غير متوافر حتّى الآن، خصوصاً أنّ واشنطن وإسرائيل كانتا قد دفعتا العام الماضي باتّجاه إنهاء تفويض “اليونيفيل”، ولذا قد تسعيان إلى عرقلة أيّ مقترح لا ينسجم مع رؤيتهما لمهمّة القوّة الجديدة.
  • يواجه احتمال اللجوء إلى قوّة أوروبيّة تحدّي الحاجة إلى ضمانات إسرائيليّة وإيرانيّة (نيابة عن “الحزب”) لعدم استهداف عناصر هذه القوّة فيما لو تمّ الاتّفاق على الاستعانة بها للحلول محلّ القوّات الدوليّة. وهذه الضمانات لم تتحقّق بعد، كما تؤكّد مصادر معنيّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ قوّة “اليونيفيل” المنتشرة في جنوب لبنان منذ عام 1978، والتي تضمّ حاليّاً نحو 7,500 جنديّ من قرابة خمسين دولة، تعمل بموجب تفويض مدّده مجلس الأمن للمرّة الأخيرة حتّى 31 كانون الأوّل 2026. هذا الجدول الزمنيّ الضيّق نسبيّاً هو ما يغذّي القلق الرسميّ اللبنانيّ، إذ تتسارع الاتّصالات على مستويات رفيعة بحثاً عن صيغة بديلة تحول دون نشوء فجوة أمنيّة بين رحيل القوّة الأمميّة وبدء أيّ ترتيب جديد، فيما يبدو أنّ الاتّجاه الدوليّ العامّ لا يزال ثابتاً نحو إنهاء مهمّة “اليونيفيل” بصيغتها الحاليّة على الرغم من المحاولات اللبنانيّة المتكرّرة للدفع باتّجاه قرار جديد يمدّد وجودها.

هكذا تخشى السلطة اللبنانيّة من أن تكون المدّة الفاصلة عن مغادرة آخر جنديّ من “اليونيفيل” (نهاية عام 2026) غير كافية لوصول قوّة بديلة، خصوصاً أنّ الطرفين المعنيَّين ميدانيّاً بهذا الأمر، أي إسرائيل و”الحزب”، غير متحمّسَين بالأساس لفكرة وجود قوّة دوليّة أو أوروبيّة على أرض الجنوب، إذا لم تتوافق مع مصالحهما المتناقضة. تريدها إسرائيل ذات مهمّة محدّدة بالمساعدة على نزع سلاح “الحزب”، ويريدها الأخير شبيهة بـ”اليونيفيل” منزوعة الأنياب.

الجولة الثّامنة قائمة

في الأثناء، أعلن نائب رئيس الوزراء وزير الخارجيّة الإيطاليّ أنطونيو تاياني أنّ جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل ستُعقد خلال أيلول المقبل في العاصمة الإيطاليّة روما، مؤكّداً استمرار بلاده في دعم المسار التفاوضيّ بين الجانبين ليحسم بذلك الجدل في مصير هذه الجولة.

يعوّل لبنان الرسميّ على دور لرئيس مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد في ردم الهوّة من خلال جولته المكّوكيّة بين بيروت وتل أبيب لتوفير حدّ أدنى من النجاح للجولة المنتظرة. تفيد المعلومات أنّ كليرفيلد يركّز اهتمامه على ملفّ تثبيت الحدود لتحقيق خرق نوعيّ لأنّ هذا الملفّ أقلّ تعقيداً من غيره من الملفّات العالقة، وأهمّها المناطق التجريبيّة.

لكنّ البحث في ملفّ تثبيت الحدود لا يعوّض أبداً تأجيل بقيّة الملفّات، وأهمّها الانسحاب الإسرائيليّ، حيث تقول مصادر معنيّة إنّه لا قيمة لأيّ تنازل في هذا المجال ما دامت إسرائيل لا تزال تحتلّ أكثر من 600 كيلومتر مربّع من مساحة لبنان.

واشنطن تتمسّك بالمفاوضات

تفيد المعلومات أنّ الجانب الأميركيّ لا يزال داعماً للمسار التفاوضيّ ويرفض تعليقه أو تجميده حتّى لو كانت نتائجه محدودة. وأبلغت جهات أميركيّة مسؤولين لبنانيّين ضرورة عقد جلسة ولو كلّ شهر، للحفاظ على وتيرة معيّنة يفترض تفعيلها في المرحلة المقبلة، حيث ينتظر أن تكون آليّة التحقّق ضمن جدول أعمال الجولة المقبلة للاتّفاق على الجهة التي ستتولّى التحقيق بعدما تراجع الأميركيّون عن هذا الدور.

ترتبط الصعوبة التي تحيط هذه المسألة، كما تقول المصادر، بالشروط الصعبة التي تضعها الحكومة الإسرائيليّة والتي يفترض بالجهة التي ستتولّى مهمّة التحقيق التزامها. وكانت هذه المسألة موضع نقاش بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل ومسؤولين إيطاليّين خلال الزيارة التي قام بها لروما والتي تلت مباشرة زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون.

مع ذلك، يواجه لبنان الرسميّ في هذه المرحلة طريقاً مسدوداً: يؤجّل الاستحقاقان الأميركيّ والإسرائيليّ تحقيق نتائج فعليّة في المفاوضات، ترفض إسرائيل تقديم أيّ تنازل، وكذلك إيران ومعها “الحزب”، القوّة الأمنيّة البديلة عن “اليونيفيل” غير متوافرة بعد، والجولة الثامنة من المفاوضات لا تعد بتقدّم كبير.

لا خيار إلّا المفاوضات

لكن لا خيار أمام السلطة اللبنانيّة إلّا التمسّك بالمفاوضات لأنّ العودة إلى الوراء مستحيلة. الحكومة ملتزمة أمام المجتمع الدوليّ مساراً واضحاً يقوم على حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح “الحزب” مقابل انسحاب إسرائيليّ. أيّ تراجع لبنانيّ عن طاولة المفاوضات الآن سيُفسَّر تنصّلاً من التزامات سبق أن تعهّدت بها بيروت، وقد يفتح الباب أمام تشديد الضغوط، أو في أسوأ الأحوال أمام تخلّي الوسيط الأميركيّ عن دوره في العمل على كبح الاندفاعة الإسرائيليّة الميدانيّة. فقدان هذا الغطاء التفاوضيّ، ولو أنّه شكليّ أحياناً، يعني عمليّاً ترك الساحة بالكامل لموازين القوى الميدانيّة، وهي موازين لا تخدم الجانب اللبنانيّ.

في هذا السياق، عاد رئيس الجمهوريّة وأكّد أنّ “قرار المفاوضات اتُّخذ لتفادي الويلات والمآسي التي سبّبتها الحرب”، معتبراً أنّها “على الرغم من صعوبتها والعراقيل التي تواجهها، تبقى أفضل بكثير من الحرب”. وشدّد على أنّ الأهداف المشتركة تتمثّل في تحرير الجنوب ونشر الجيش حتّى الحدود واسترجاع الأسرى وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، مؤكّداً أنّ “هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها بالحرب، وبالتالي لا خيار إلّا التفاوض”.