المصدر: Transparency News
الكاتب: ريتا بولس
الأربعاء 18 آذار 2026 16:17:17
في لحظات الانكشاف السياسي، تلجأ القوى التي قامت على منطق "خارج الدولة" إلى تصعيد خطابها، محاولةً تعويض تراجعها بلغة التهديد والوعيد. من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة تهديد القيادي في حزب الله، محمود قماطي، بـ"قلب الطاولة" إلا كدليل إضافي على مأزق بنيوي يعيشه هذا المشروع، الذي لم ينجح يوماً في التحول إلى مشروع دولة، بل بقي أسير منطق التعطيل وفرض الأمر الواقع بالقوة.
إن التلويح بـ"قلب الطاولة" لا يعكس فائض قوة، بل يعبر عن عجز سياسي متراكم. فالقوى الواثقة من مشروعها لا تهدد بإسقاط الاستقرار، بل تستثمر في تعزيزه. أما اللجوء إلى خطاب الفوضى، فهو في جوهره محاولة للهروب إلى الأمام، حين تضيق الخيارات وتنكشف حدود النفوذ.
لقد اعتاد حزب الله، في مراحل سابقة، استخدام أدوات التخويف ، من إثارة الهواجس الطائفية إلى التلويح بالقوة لفرض معادلات سياسية. إلا أن هذا الأسلوب لم يعد يحقق الغاية ذاتها، بعدما تبدّل وعي اللبنانيين، وباتوا أكثر إدراكاً أن أي "قلب للطاولة" لن يطال خصوم الحزب بقدر ما سيصيب استقرارهم ، وأمنهم، ومستقبل أبنائهم.
ما يفاقم مأزق هذا الخطاب، هو التحول التدريجي في البيئة السياسية والمؤسساتية في لبنان، حيث لم يعد بالإمكان تأمين الغطاء الذي كان متاحاً في السابق:
استعادة موقع رئاسة الجمهورية لدورها الدستوري: لم تعد الرئاسة مساحة رمادية أو منصة تسويات، بل عادت لتؤكد دورها كحامية للدستور، رافضةً تغطية أي سلوك يخرج عن منطق الدولة.
حكومة تميل إلى منطق الدولة: إن أي مقاربة حكومية تضع مسألة حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية تشكل خطوة نوعية باتجاه إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة.
بداية تفعيل المسار القضائي: إن تحريك الملفات القضائية، وملاحقة المخالفات مهما كان مرتكبوها، يشير إلى بداية تآكل مفهوم "المناطق المحصنة" الخارجة عن سلطة القانون.
هذه التحولات، وإن كانت لا تزال في بداياتها، إلا أنها تؤسس لمرحلة جديدة، عنوانها إعادة بناء الدولة على قواعد المساءلة، لا التسويات.