من الأنابيب إلى معمل دير عمار: الغاز والكهرباء رهنا الحرب

تشكّل معضلة الكهرباء مادة للنقاش الدائم. والبحث عن سبل لزيادة ساعات التغذية هو المطلب الأساسي للناس. على أنّ الحلول ليست دائماً سهلة، وما يمكن بحثه نظرياً، قد لا يُطَبَّق على أرض الواقع بالسرعة والكلفة والفعالية المطلوبة. ذلكَ أنَّ الحلول وتنفيذها يرتبطان بمتغيّرات مالية وسياسية وأمنية داخلية وإقليمية، ومنها مشروع استجرار الغاز من مصر، عبر الأردن وسوريا، وصولاً إلى معمل دير عمار.

ورغم أنَّ التحضيرات التقنية التي تسبق استجرار الغاز إلى معمل دير عمار، بدأت من الجانب اللبناني من خلال صيانة الأنابيب من قِبَل الشركة الفنية (المصرية) لخدمات تشغيل خطوط الغازTGS . إلاّ أنّ المرحلة الثانية تنتظر صيانة معمل دير عمار، وتحديداً مجموعات الإنتاج الغازية، وهنا يكمن التحدي، لأنَّ خواتيم الملف لا تقف عند مرحلة صيانة الأنابيب. فهل نحن بعيدون عن زيادة ساعات التغذية الكهربائية؟.

خط الأنابيب

لم يحصل لبنان على تمويل من البنك الدولي لاستجرار الغاز عبر خط الغاز العربي الذي يصل من مصر إلى لبنان مروراً بالأردن وسوريا. فمنذ عام 2021 يجري التحضير لاستجرار الغاز بالتوازي مع استجرار الكهرباء من الأردن، بقرض مفترَض من البنك الدولي بقيمة 270 مليون دولار. على أنّ المشروع لم يولد لأسباب كثيرة على رأسها التحوّلات السياسية في المنطقة والعالم. لكن فكرة المشروع لم تمت، بل استمرّت مع تغيير بعض وجوهها، لا سيّما المتعلّقة بالتمويل، إلى جانب "هوية" الغاز الذي سيصل إلى لبنان، فضلاً عن آلية شرائه.

لم ينتظر لبنان ومصر اتفاقية القرض المفترضة مع البنك الدولي، لتمويل استجرار الغاز والكهرباء، فبدأ البلَدان بتحضير الخطوات اللوجستية لاستقبال الغاز، بعيداً من مصدر التمويل وموعد الضخّ. في نهاية عام 2021، عرضَ فريقTGS  أمام وزارة الطاقة، تقريره عن خط الغاز والمحطات التابعة له بعد الكشف عليه داخل لبنان، وشرحَ الخطوات التقنية المطلوبة لصيانة الخط والتأكُّد من جهوزيته عند البدء بضخ الغاز المصري إلى معمل دير عمار. وفي أيار 2026 وقّع وزير الطاقة جو الصدي ووزير البترول المصري كريم بدوي، اتفاقاً لإعادة تأهيل شبكات الغاز في لبنان، عبر شركة TGS. وفي 15 حزيران 2026 جرى توقيع "اتفاق رضائي مع شركة TGS لإعادة تأهيل خط الغاز العربي". وبلغت قيمة العقد 748100 دولار، وفق ما بيّنته هيئة الشراء العام. على أن ينتهي العمل وفق العقد، في 14 أيلول المقبل. والخط المفترض صيانته، هو بقطر 24 بوصة وبطول نحو 30 كيلومتراً. فضلاً عن إجراء تحديث لمحطات القياس والتخفيض وأنظمة التحكّم والتشغيل.

على أرض الواقع، بدأت الشركة المصرية أعمال التأهيل "منذ نحو أسبوعين"، وفق الصدي الذي لفت إلى أنَّ "المرحلة الحالية تحتاج إلى نحو أربعة أسابيع إضافية لاستكمال أعمال الصيانة والتأهيل". وخلال زيارته، قبل أيام، منشآت النفط والغاز في منطقة البداوي، للاطلاع على واقع المنشآت وتجهيزاتها، بالإضافة إلى تفقّد أعمال صيانة خط أنبوب الغاز، أكّد الصدي أنّه "بعد إنجاز هذه الأعمال، ستبدأ مرحلة اختبار الخط وتشغيل الغاز تجريبياً، على أن تستمر لنحو أسبوعين للتأكد من سلامة الخط وجاهزيته للعمل". وبالتوازي مع أعمال الصيانة "أصبحت عقود شراء الغاز وعبوره عبر سوريا، في مراحلها الأخيرة، وستحال إلى مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان لاتخاذ القرار المناسب بشأنها، باعتبار المؤسسة الجهة الشارية، على أن تُحال بعد موافقتها على مجلس الوزراء للحصول على الموافقة النهائية".

صيانة معمل دير عمار

انتهاء أعمال صيانة الأنابيب من الجهة اللبنانية، التي هي جزء من خطّ الغاز العربي الذي يمتد من مصر إلى لبنان، قد تكون المرحلة الأسهل، فانتهاء أعمال الصيانة لا تعلن بدء ضخ الغاز وإنتاج الكهرباء.

ومن الناحية التقنية، فإنّ صيانة الأنابيب يجب أن تقابلها صيانة معمل دير عمار الذي سيستقبل الغاز، وتحديداً بما يتعلّق بوحدات الإنتاج فيه. ووفق مصادر متابعة لملفّ معامل الكهرباء، فإنّ "وحدات الإنتاج على الغاز في معمل دير عمار بحاجة أيضاً إلى صيانة، وهذا يتطلّب التواصل مع شركة سيمنز الألمانية المصنِّعة". وتقول المصادر في حديث لـِ "المدن"، إنّ الشركة الألمانية "ترفض حالياً القدوم إلى لبنان لإجراء الصيانة، بسبب الأوضاع الأمنية". وتأمل أن يتم "حل الموضوع عبر الاتصالات السياسية بين البلدين، لطمأنة الشركة، بعد التأكيد على أهمية إجراء الصيانة". وتشير المصادر إلى أنَّ "بدء ضخ الغاز لا يزال بعيداً، لأنّ خطوات عملية كثيرة يجب القيام بها قبل الضخ. فضلاً عن العوائق السياسية المرتبطة بما يجري في محيط لبنان والعالم. فالسماح بضخ الغاز في الخط العربي وصولاً إلى لبنان، يحتاج إلى قرار سياسي، مَنَعَ في المرة السابقة تمويل استجرار الغاز من مصر والربط الكهربائي مع الأردن. ومع ذلك، على لبنان استكمال أعمال الصيانة للأنابيب ولوحدات الإنتاج في معمل دير عمار، وهي الخطوة الثانية التي لا يمكن تخطيها".

المشكلة الأمنية والقرار السياسي لا يؤثّران فقط على تسيير الغاز في الخط العربي أو على قدوم سيمنز لإجراء الصيانة، بل أيضاً على تمويل الشراء واستدامته. ففي الصيغة السابقة، ارتبط التمويل بقرض من البنك الدولي، وراهناً سيكون الشراء لبنانياً من خلال صيغة شراء ثلاثية للأردن وسوريا ولبنان. علماً أنّ هوية الغاز نقطة محورية، فبالنسبة إلى لبنان، لا يتيح القانون حتى الآن شراء غاز إسرائيلي، في حين أنَّ الغاز المتاح على الخط من مصر إلى الأردن، هو إسرائيلي بنسبة كبيرة، ولا يمكن فصل دخوله إلى الخط العربي عن أي غاز آخر، وإن اختلفت هويته.

بالتوازي، ستدفع مؤسسة كهرباء لبنان ثمن الغاز من مالها الخاص، وهو ما تؤكّده مصادر في إدارة المؤسسة خلال حديث لـِ "المدن". علماً أنّ المؤسسة، وفق المصادر "باتت قادرة مالياً على تأمين الفيول والغاز بعد رفع التعرفة. والمؤسسة أعطت لوزارة الطاقة موافقتها المبدئية على شراء الغاز، خصوصاً أنّه أقل كلفة من الفيول. كما أنّ عملية الشراء لن تتم بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى وقت، تكون خلاله المؤسسة قد زادت إمكانياتها المالية". لكن هذا التصوّر قد يتغيّر مع ما قد تفرزه الحرب. ووفق المصادر، فإنّ "مالية المؤسسة تستنزف، بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً بفعل إقفال مضيق هرمز، وهذا ما يعني صرف مبالغ أكبر على شراء الفيول للمعامل. لكن في حال انتهاء الحرب وفتح المضيق وتراجع أسعار النفط، ستتمكّن المؤسسة من توفير مبالغ مالية أكبر لشراء الغاز. كما يمكن الاستفادة من المبالغ التي ستدفعها الدولة من مستحقات المؤسسة على إداراتها العامة".

صيانة الأنابيب ليست بداية ضخ الغاز. فخطوة تأهيل وحدات الإنتاج الغازية أمر أساسي، وحسم هوية الغاز ضروري، والقرار السياسي ببدء الضخ، لا بدّ منه، وضمان استدامة القدرات المالية للمؤسسة مرهونة بالحرب ومجرياتها. وعليه، فإنّ شبكة معقّدة من العوائق تنتظر زيادة ساعات التغذية.