المصدر: جنوبية
السبت 19 أيلول 2026 22:24:09
ذكر موقع «JNS» أن 17 أيلول 2024 شكّل، وفق قراءة الكاتب شمعون رفاعي، نقطة تحوّل في المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، بعدما بدأت في ذلك اليوم أجهزة النداء «البيجر» بالانفجار في جيوب آلاف عناصر الحزب في أنحاء لبنان، لتتبعها في اليوم التالي موجة ثانية استهدفت أجهزة لاسلكية يستخدمها التنظيم.
وبحسب المقال، بدأت العملية عند الساعة 3:30 بعد الظهر، عندما انطلقت أصوات تنبيه من أجهزة «البيجر» التي كان عناصر «حزب الله» يعتمدون عليها باعتبارها أكثر أمانًا من الهواتف الخلوية، قبل أن تتحول هذه الأجهزة خلال ثوانٍ إلى أدوات انفجار.
وأشار الكاتب إلى أن الانفجارات وقعت في بيروت والبقاع ومناطق أخرى، واستمرت لنحو ساعة، فيما أدت الموجة الثانية في اليوم التالي إلى انفجار أجهزة لاسلكية، ما أسفر خلال يومين عن مقتل وإصابة العشرات والآلاف، بينهم مدنيون.
عملية استخباراتية بُنيت على مدى سنوات
وبحسب ما أورده المقال، كشفت التطورات اللاحقة أن العملية لم تكن نتيجة اختراق تقني عابر، بل جاءت ثمرة منظومة استخباراتية وخداعية بُنيت على مدى سنوات، شملت اختراق سلسلة توريد «حزب الله» وإنشاء بنية تجارية هدفت إلى دفع الحزب بنفسه إلى شراء الأجهزة التي جرى تجهيزها مسبقًا.
ويرى رفاعي أن أهمية العملية لم تكن مرتبطة فقط بحجم الخسائر، بل بما اعتبره تغييرًا في الجهة التي تتحكم بإيقاع المواجهة.
ويقول إن «حزب الله» كان، على مدى أشهر، يملك هامشًا واسعًا في تحديد توقيت إطلاق النار ومكانه ومستوى التصعيد، بينما كانت إسرائيل ترد على الهجمات وتستهدف مواقع الحزب.
لكن عملية «البيجر»، وفق تحليله، نقلت إسرائيل من موقع انتظار الخطوة التالية إلى موقع المبادرة، بعدما تمكنت من اختراق منظومات الحزب ودفعه إلى التعامل مع واقع لم يكن مستعدًا له.
ضربة لمنظومة الاتصالات
ويشير المقال إلى أن الأثر لم يكن ماديًا فقط، بل طال البنية التنظيمية والنفسية للحزب، بعدما اكتشف أن الخطر لا يقتصر على كشف مواقع قياداته ومستودعات أسلحته ومنصات إطلاق الصواريخ، بل يشمل أيضًا سلسلة التوريد وأنظمة الاتصالات والأجهزة الموجودة في جيوب عناصره.
وبحسب المقال، دفعت هذه المخاوف الحرس الثوري الإيراني لاحقًا إلى إصدار تعليمات لعناصره بوقف استخدام بعض أجهزة الاتصال وإجراء عمليات تفتيش لأنظمتهم، خشية تعرضها لاختراق مماثل.
ويرى الكاتب أن الصدمة الأولى أتاحت لإسرائيل استغلال حالة الارتباك لتنفيذ سلسلة من العمليات ضد قيادات في «حزب الله» قبل أن يتمكن التنظيم من استعادة توازنه.
من إبراهيم عقيل إلى حسن نصرالله
بعد أيام قليلة من عملية «البيجر»، قُتل في 20 أيلول 2024 إبراهيم عقيل، أحد كبار قادة «حزب الله» والمسؤول عن منظومة العمليات، إلى جانب عدد من قيادات قوة «الرضوان»، بحسب المقال.
ثم توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل البنية التحتية ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة.
وفي 27 أيلول، استُهدف المقر المركزي لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقُتل الأمين العام للحزب حسن نصرالله.
ويؤكد رفاعي أن عملية «البيجر» وحدها لم تهزم «حزب الله»، لكنه يعتبرها الضربة الافتتاحية لسلسلة عمليات غيّرت، خلال أسابيع، وضع التنظيم من جهة كانت تعتقد أنها تفرض معادلة ردع على إسرائيل إلى جهة تكافح للحفاظ على قيادتها وشبكة اتصالاتها وبنيتها التنظيمية.
«الردع» لا يبقى ثابتًا
ويطرح الكاتب ما يعتبره الدرس الأول من أحداث 17 أيلول، ومفاده أن الردع لا يتحقق بالتصريحات، بل عندما يكتشف الطرف الآخر أن حساباته بشأن الكلفة والمخاطر تختلف عن الواقع.
ويشير إلى أن إسرائيل كانت تتحدث لسنوات عن ضرورة «الحفاظ على الردع»، لكنه يرى أن الردع ليس عنصرًا ثابتًا، بل يتعرض للاختبار بصورة مستمرة.
وبحسب تحليله، فإن استمرار قدرة «حزب الله» على إبقاء عشرات آلاف الإسرائيليين بعيدًا عن منازلهم لأشهر من دون دفع كلفة تقوض شعوره بالأمان كان، من وجهة نظره، يؤدي إلى تآكل الردع، قبل أن تبدأ عملية 17 أيلول في تغيير هذا المسار.
الاستخبارات وحدها لا تكفي
ويعتبر رفاعي أن الدرس الثاني يتمثل في أن امتلاك معلومات استخباراتية متقدمة لا يكفي إذا لم تكن هناك قدرة على تحويلها إلى فعل.
وبحسب المقال، فإن ما ظهر بعد العملية أشار إلى أن اختراق شبكة اتصالات «حزب الله» لم يحدث بين ليلة وضحاها، إذ بدأت عملية الاختراق قبل سنوات، بينما يعود تطوير مشروع «البيجر» إلى عام 2022.
ويشير إلى أن العملية تطلبت إنشاء شركات وسلاسل توريد ومنتجات وآليات تسويق صُممت بهدف دفع الحزب إلى شراء الأجهزة بنفسه.
القوة والدبلوماسية
وينتقل المقال إلى البعد السياسي، معتبرًا أن النجاح العسكري يمكن أن يغيّر أيضًا البيئة الدبلوماسية.
ويرفض الكاتب، في تحليله، الفصل التام بين القوة والدبلوماسية، معتبرًا أن التطورات الميدانية قد تغيّر الحوافز وتعيد تشكيل شروط التفاوض.
ويشير إلى أنه بعد الحملة الإسرائيلية ضد «حزب الله»، تم التوصل في تشرين الثاني 2024 إلى وقف لإطلاق النار تضمّن ترتيبات مرتبطة بالقرار 1701، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وانسحاب قوات «حزب الله» إلى شمال نهر الليطاني.
ويخلص إلى أن التحول الذي شهدته المواجهة بعد أيلول 2024 جعل إسرائيل، وفق رؤيته، طرفًا لا يمكن تجاهل قدراته وحدوده عند التعامل مع الواقع الإقليمي.
«البيجر»… بداية مرحلة جديدة
ويختم رفاعي مقاله بالقول إن الأهمية الأساسية لعملية «البيجر» لم تكن فقط في حجم الأضرار التي خلفتها، بل في أنها أعادت، وفق تعبيره، «المبادرة» إلى الجانب الإسرائيلي.
وبحسب رؤيته، أظهرت العملية قدرة إسرائيل على استخدام المعلومات الاستخباراتية، واختيار توقيت العملية وطريقتها، بدل الاكتفاء بالرد على خطوات خصومها.
وعليه، يرى الكاتب أن أحداث 17 أيلول 2024 لم تكن عملية منفصلة، بل بداية سلسلة من التطورات التي أعادت تشكيل المواجهة مع «حزب الله» وغيّرت، من وجهة نظره، شروط الصراع والتفاوض في المنطقة.