من "الرضوان" إلى "بدر".. كيف أعاد الحزب توزيع قواته بعد خسارة قادة الاقتحام؟

كشفت مصادر عسكرية لبنانية لـ"إرم نيوز" أن قيادة حزب الله نفذت خلال الحرب الحالية، إعادة هيكلة ميدانية لوحداتها القتالية، تقوم على إعادة توزيع الأدوار بين قوة "الرضوان"ووحدة "بدر"، بعد مقتل عدد كبير من قادة الاقتحام، ما فرض على الحزب مراجعة عقيدته العسكرية على الحدود الجنوبية.

وقالت المصادر إن الحزب لم يتخلَ عن "الرضوان"، لكنه غيّر طبيعة مهامها، فانتقل من الاعتماد عليها كقوة هجومية مخصصة لتنفيذ عمليات التوغل والاقتحام، إلى توزيع عناصرها ضمن خلايا صغيرة تتولى مهام الاستطلاع والكمائن وتشغيل بعض منظومات المسيّرات والصواريخ الموجهة، فيما أوكل إلى "بدر" مسؤولية إدارة القطاع الدفاعي شمال الليطاني، وتحويلها إلى مركز الثقل الناري المسؤول عن تشغيل الصواريخ وإدارة الأنفاق ومنظومات الإسناد.

وأضافت المصادر أن هذه الخطوة جاءت نتيجة الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها قيادات الوحدتين، وما رافقها من صعوبة إعادة بناء القوة الهجومية السابقة بالسرعة نفسها، الأمر الذي دفع الحزب إلى تبني نموذج أكثر لا مركزية في إدارة الجبهة.

خسائر القيادات تفرض إعادة الهيكلة

وبحسب المصادر، فإن اغتيال عدد من أبرز قادة "الرضوان" خلال الحرب الأخيرة ترك فراغًا تنظيميًا واضحًا داخل القوة التي كانت تمثل رأس الحربة في خطط الحزب الهجومية، وفي مقدمتها الخطة التي عُرفت إسرائيليًا باسم "احتلال الجليل".

وتقاطعت هذه المعطيات مع إعلانات إسرائيلية متكررة عن اغتيال عدد من قادة قوة "الرضوان"، بينهم أبو علي ريان، الذي قالت إنه كان يقود قطاع الجنوب، وأبو خليل برجي، الذي وصفته بأنه من أبرز قادة القوات الخاصة، إضافة إلى أحمد غالب بلوط الذي أعلنت لاحقًا أنه تولى قيادة قوة "الرضوان" وعمل على إعادة تنظيمها قبل مقتله.

كما أعلنت إسرائيل خلال الأشهر القليلة الماضية اغتيال عدد من قادة "وحدة بدر"، بينهم رهيف علي قاسم، الذي وصفته بأنه مسؤول منظومة الصواريخ، ومحمد باقر مالكي، قائد إدارة النيران، إلى جانب قيادات أخرى قالت إنها كانت تشرف على إعادة بناء القدرات الصاروخية شمال الليطاني.

وترى المصادر العسكرية أن استهداف هذا المستوى من القيادات أجبر الحزب على إعادة توزيع المسؤوليات بدلًا من الاكتفاء بتعيين بدلاء ضمن الهيكل التنظيمي التقليدي. 

"بدر" تتقدم إلى الواجهة

وأوضحت المصادر أن "وحدة بدر" لم تعد مجرد تشكيل مناطقي، بل أصبحت خلال المرحلة الحالية العمود الفقري للدفاع عن شمال الليطاني، بعدما أُنيط بها الإشراف على منظومات النيران، وإدارة جزء كبير من البنية العسكرية تحت الأرض، وتأمين خطوط الإمداد، والإشراف على القطاعات الممتدة باتجاه منطقتي الزهراني والنبطية.

وأضافت أن الحزب يراهن على قدرة هذه الوحدة على مواصلة إدارة المعركة حتى في حال تعرض القيادات المركزية للاستهداف، عبر شبكة من غرف العمليات الموزعة والأنفاق ومخازن الذخيرة التي تسمح باستمرار العمل بصورة لا مركزية.

وبحسب المصادر، فإن الفصل الجديد بين الوحدتين يقوم على توزيع واضح للوظائف؛ فبينما تتولى "بدر" إدارة الجبهة النارية والدفاعية، تركز "الرضوان" على العمليات المحدودة التي تعتمد على الحركة السريعة والخلايا الصغيرة والكمائن، بدلًا من تشكيلات الاقتحام الكبيرة التي كانت تمثل عقيدتها السابقة.

مجندون جدد لسد النقص

وأكدت المصادر أن الحزب أطلق خلال الحرب الحالية، حملات تجنيد واسعة لتعويض خسائره البشرية، إلا أن جزءًا كبيرًا من العناصر الجدد ينتمي إلى فئات عمرية أصغر، ولم يحصل على المستوى نفسه من التدريب والخبرة الذي امتلكه مقاتلو النخبة الذين خاضوا الحرب السورية أو تلقوا تدريبات طويلة خلال السنوات الماضية.

وترى المصادر أن الحزب نجح إلى حد كبير في تعويض جزء من النقص العددي، لكنه لا يزال يواجه تحديًا في إعادة إنتاج الخبرات القيادية والقدرات العملياتية التي فقدها خلال الحرب، وهو ما يفسر انتقاله إلى نموذج يعتمد بصورة أكبر على توزيع المهام وتقليل الاعتماد على القيادات الميدانية الفردية.

وتضيف أن هذا التحول يعكس أيضًا إدراك قيادة الحزب أن المواجهة مع إسرائيل قد تكون طويلة ومفتوحة، ما يفرض الحفاظ على استمرارية القيادة والسيطرة حتى في ظل الضربات الجوية المكثفة. 

من "الصدمة" إلى "الاستنزاف"

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور، أن المؤشرات الميدانية توحي بأن حزب الله يجري بالفعل تعديلات على بنيته القتالية، لكنه يعتبر أن الهدف الأساسي هو التكيف مع طبيعة الحرب الحالية أكثر من كونه إعادة بناء كاملة للقوة.

ويقول النور إن خسارة عدد من القادة الميدانيين دفعت الحزب إلى تقليص الاعتماد على تشكيلات الاقتحام الكبيرة، والانتقال نحو وحدات أصغر وأكثر مرونة يصعب استهدافها دفعة واحدة.

ويضيف أن توزيع المهام بين الوحدات القتالية، وتعزيز البنية الدفاعية وإدارة النيران، يعكسان محاولة للحفاظ على القدرة القتالية رغم الضربات التي تلقاها الحزب، إلا أن استعادة مستوى الكفاءة السابق ستتطلب وقتًا وخبرات لا يمكن تعويضها بالتجنيد السريع وحده، لأن بناء قوات النخبة يعتمد على سنوات من التدريب والقيادة الميدانية، وليس على زيادة الأعداد فقط.