من الشلل إلى استعادة المسار القضائي.. كيف أعاد عادل نصار تحريك ملف انفجار 4 آب؟

على مدى خمس سنوات، بقي ملف انفجار مرفأ بيروت أسير التجاذبات السياسية والعراقيل القضائية، بعدما تحوّل التحقيق العدلي في واحدة من أكبر الجرائم التي شهدها لبنان إلى ساحة مواجهة بين القضاء وقوى الأمر الواقع. فمنذ عام 2020 وحتى عام 2025، اصطدم مسار التحقيق بعوائق متتالية أدّت عمليًا إلى تعطيله، كان أبرزها الدعاوى المقدّمة ضد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، والتي بقيت عالقة نتيجة الشلل الذي أصاب الجسم القضائي، ما حال دون البت بها، وانتهى إلى تجميد عمل المحقق العدلي وكف يده عن الملف.

مع وصول الوزير عادل نصار إلى وزارة العدل، بدأ مسار مختلف في مقاربة الأزمة القضائية، انطلاقًا من إعادة تفعيل المؤسسات تمهيداً لمعالجة الملفات العالقة. فبعد نحو ثماني سنوات من الجمود، بقيت خلالها التشكيلات القضائية معلّقة نتيجة الخلافات حول المحاصصة، وقّع وزير العدل التشكيلات القضائية الجديدة فور تسلمها، في خطوة أعادت ملء الشواغر في المراكز القضائية وأعادت انتظام عمل المحاكم والهيئات القضائية.

هذه الخطوة لم تكن إدارية فقط، بل انعكست مباشرة على ملف المرفأ، إذ إن استكمال التشكيلات سمح للجهات القضائية المختصة بالنظر في الدعاوى المقدّمة ضد القاضي البيطار، فصدرت القرارات التي أعادت له حق متابعة التحقيق، لينطلق مجددًا في عمله بعد سنوات من التعطيل.

وبعودة البيطار إلى الملف، لم يكتفِ باستئناف الإجراءات الداخلية، بل انتقل التحقيق إلى مرحلة جديدة أكثر انفتاحًا، فتمكّن من استكمال الاستجوابات واتخاذ خطوات كانت متوقفة، وصولًا إلى انتقاله إلى بلغاريا للتحقيق مع قبطان سفينة "روسوس" التي نقلت شحنة نيترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت.

ولم يكن التحدي مقتصرًا على العقبات الإجرائية، بل شمل أيضًا العلاقة بين الجهات القضائية نفسها. فقد شهدت المرحلة السابقة توترًا بين المحقق العدلي والنيابة العامة التمييزية، خصوصًا بعد القرارات التي اتخذها النائب العام التمييزي السابق القاضي غسان عويدات والتي انعكست على مسار التحقيق. إلا أن إدارة وزير العدل للملف القضائي، وحرصه على إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات، ساعدا في إعادة بناء قناة تعاون بين النيابة العامة والمحقق العدلي، بما سمح بعودة التحقيق إلى مساره الطبيعي.

وفي موازاة العمل الداخلي، فتح وزير العدل مسارًا قضائيًا دوليًا، عبر التواصل مع الدول التي طالتها تداعيات الانفجار أو التي لديها معطيات مرتبطة بالملف، وفي مقدمها فرنسا. وقد أثمرت هذه الاتصالات تعاونًا قضائيًا أدى إلى زيارة وفد فرنسي رفيع المستوى إلى لبنان، حيث عقد لقاءات مع القاضي البيطار وتم تبادل معلومات ومعطيات ساعدت في تعزيز التحقيق.

كذلك، عمل الوزير نصار على تفعيل قنوات التعاون القضائي الدولي، فتابع موضوع الاستنابات القضائية المرسلة إلى عدد من الدول التي قد تملك معلومات مرتبطة بالملف. ورغم عدم تجاوب جميع الدول مع الطلبات اللبنانية، عاد وزير العدل وتواصل مع سفراء الدول المعنية، ما أدى إلى تجاوب أكبر وتبادل معلومات ساهم في تسريع مسار التحقيق والوصول إلى مراحل متقدمة.

أما المحطة الأبرز، فكانت قضية قبطان السفينة التي نقلت نيترات الأمونيوم. فعندما أوقفت السلطات البلغارية المعني بالأمر، تحرك وزير العدل سريعًا عبر القنوات الرسمية والقضائية لمحاولة تسليمه إلى لبنان، إلا أن الطلب اصطدم برفض بلغاري رغم تقديم ضمانات بعدم تطبيق عقوبة الإعدام بحقه. لكن الاتصالات التي أجراها نصار أفضت إلى حل بديل، تمثل بالسماح لقاضٍ لبناني بالانتقال إلى بلغاريا لاستجوابه، فكان القاضي طارق البيطار أول قاضٍ لبناني ينتقل إلى دولة أخرى للتحقيق مع متهم غير لبناني.

وبفضل هذه المسارات المتوازية، الداخلية والدولية، وصل التحقيق إلى خواتيمه خلال فترة زمنية قياسية نسبيًا، إذ أعلن القاضي البيطار في 31 آذار 2026 اختتام التحقيقات وإحالة الملف، الذي يضم آلاف الصفحات، إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء المطالعة القانونية.

وتحتاج النيابة العامة، بحسب المسار الطبيعي للملفات الكبرى، إلى فترة زمنية قدرت بأربعة إلى خمسة أشهر لدراسة كامل الملف وإحالة مطالعتها إلى قاضي التحقيق لإصدار القرار الاتهامي، تمهيدًا لإحالته إلى المجلس العدلي وبدء مرحلة المحاكمات.

بين عام 2020 وعام 2025، كان ملف انفجار المرفأ عنوانًا للشلل القضائي والتعطيل السياسي. أما مرحلة نصار، فأظهرت أن إعادة انتظام المؤسسات القضائية، وتوفير الغطاء الإداري والقانوني لعمل القضاة، يمكن أن يعيد تحريك أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث.

وفي هذه المعادلة، شكّل أداء وزير العدل عادل نصار محطة أساسية في إعادة فتح الطريق أمام العدالة، ليس عبر التدخل في التحقيق، بل عبر إزالة العوائق التي كانت تمنع القضاء من القيام بدوره.