المصدر: نداء الوطن
الكاتب: طوني أبي سمرا
الجمعة 22 أيار 2026 07:40:36
منذ هجمات السابع من أكتوبر، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة لا تشبه ما قبلها، ولن يعود إليها. ما جرى هو تحوّلٌ استراتيجي يعيد رسم توازنات المنطقة وحدود القوة فيها. القرار الإسرائيلي بالقضاء على أي تهديد مشابه لما حصل في ذلك اليوم، خصوصًا من الدول المحيطة، أصبح حقيقة ثابتة في ديناميات الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، جاءت هجمات الثامن من الشهر نفسه التي شنّها محور إيران، بصورة غير مقبولة لبنانيًا، لتضع لبنان في قلب العاصفة، ولتدفع نحو واقع جديد لم يعد بالإمكان تجاهله.
لكن، وسط هذا التحوّل، ووسط الحرب والدمار والنزوح واختطاف الدولة، نشأت فرصة تاريخية للبنان: فرصة لاستعادة السيادة وإعادة احتكار الدولة القوة والسلاح والعنف. هذه الفرصة، كما حصل عام 1982 وعام 2005، لم يصنعها اللبنانيون بأنفسهم، بل قُدِّمت لهم من خلال التحوّلات في المنطقة. تمامًا كما لم يكن ممكنًا للبنان أن يُخرج عرفات ومجرميه في الثمانينات لولا الاجتياح الإسرائيلي، وكما لم يكن ممكنًا إخراج الأسد المجرم لولا التبدلات الدولية، كذلك اليوم، ما كان للبنان بشيعته وسنّته ودروزه ومسيحييه أن يحلم بالخروج من قبضة المحور لولا العالم الذي وُلد بعد السابع من أكتوبر.
هذه الحقيقة يجب الاعتراف بها، لا من باب التبرير، بل من باب الواقعية السياسية. فالفرصة الحالية ليست ملك الحكم، ولا النظام المركزي الفاسد ومنظومته، وعلى رأسها برّي، بل ملك الشعب اللبناني. الحكم ليس غاية بحد ذاته، بل سفينة تحمل اللبنانيين نحو شاطئ الأمن والسيادة والاستقرار والازدهار والأمل والحوكمة النظيفة والتشريع الذي يعكس مصالح الملل الأربع في لبنان. ومن هنا، لا يمكن ترك القرار المصيري في يد السلطة "القانونية" وحدها، من دون رقابة ومحاسبة ومشاركة من السلطة "الشرعية"، أي الشعب، لأن لبنان سبق أن خسر فرصتي 1982 و2005 عندما غرقت السلطة القانونية في التسويات الخاطئة.
أي تغيير يحتاج إلى سلطة تدفعه. السلطة "القانونية" بيد الدولة تبقى أساسية، لأنها القادرة "قانونيًا ودستوريًا" على إعادة توجيه "السفينة". لكن إذا فشلت هذه السلطة، فإن قوى "شرعية" داخل الملل ستبرز حكمًا لتقود جماعاتها نحو خيارات تراها ضرورية لحماية وجودها ومستقبلها وأرضها وديمغرافيتها ودورها وثقافتها وحقها في المشاركة وفي اتخاذ القرار.
للأسف، ارتكبت السلطة القانونية خلال الأشهر الماضية سلسلة أخطاء سمحت للمحور بإعادة تنظيم نفسه. فمنذ كانون الثاني 2025، اعتمدت سياسة "المساكنة" مع المحور، والرهان على الوقت والتمنيات غير الواقعية بدل القرارات الحاسمة. هذا "النوم السياسي والأحلام" كان خطأً استراتيجيًا، لأن التجربة اللبنانية أثبتت أن التسويات مع القوى المسلحة الخارجة عن الدولة، أكانت مدعومة فلسطينيًا أو إيرانيًا، لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل أشد.
اليوم يقف لبنان أمام فرصة جديدة، مدعومة بزخم غير مسبوق من الرئيس دونالد ترامب. المفاوضات في واشنطن تمثل نافذة لا يجوز تفويتها. لا يمكن الاستمرار في تجاهل ممارسات وألعاب وخزعبلات "حزب الله" ونبيه بري، أو استخدام السلاح للهيمنة، أو إعلان حروب عبثية، أو شبكات الفساد والتهريب واستقدام المقاتلين وتفكيك مؤسسات الدولة. كما لا يمكن تحويل مهلة الـ45 يومًا إلى تكرار لمرحلة الانتظار منذ كانون الثاني 2025.
بالتوازي، يجب على السلطة القانونية إطلاق مراجعة جذرية للنظام السياسي المركزي الفاشل. الإصلاح لا يتم عبر إعادة تدوير القوى نفسها أو عبر التسويات مع المحور، بل عبر فتح نقاش حقيقي مع القوى المعارضة لهذا النظام والداعية إلى تغييره جذريًا. وفي هذا الإطار، تطرح مجموعة تكبر يومًا بعد يوم مشروع الفيدرالية. لا تدّعي هذه المجموعة أن مشروعها منزّلًا أو نهائيًا، بل تطرحه للنقاش بهدف بلورة عقد اجتماعي جديد ونظام قادر على صيانة هذا العقد الجديد.
وإذا لم تفعل السلطة ذلك، فإن الصوت الشرعي البديل، خصوصًا داخل البيئة المسيحية، سيتقدّم تدريجيًا لملء الفراغ، لأن المجتمعات، عندما تشعر بأن الدولة عاجزة عن حمايتها وعن تأمين مستقبلها، تبدأ تلقائيًا بالبحث عن قيادات أخرى تحمل مشروعًا أوضح وأكثر جرأة. والتاريخ اللبناني مليء بالأمثلة على ذلك.
مستقبلنا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نلتقط الفرصة وننطلق نحو إعادة اختراع لبنان، وإما أن نبقى في دوامة الانهيار بين التردد والمساكنة.