من ثلاثية "خشبية" إلى ثنائية ألماسية: جيش مقاوم وشعب حر

لا يختلف إثنان على أن ما تمرّ به منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا المنطقة العربية، هو في التعريف أو التفسير السياسي زلزال كبير، سيترك بالتأكيد ارتداداته ومفاعيله، السلبية للبعض والإيجابية للبعض الآخر، لعقود مقبلة. 
ولبنان بطبيعة الحال في قلب هذا الحدث الجيوسياسي الكبير، وهو بدوره شهد على مدى السنة المنصرمة ومنذ قرار مساندة "طوفان الأقصى" نتائج كارثية على مستوى الحجر والبشر، في الجنوب والبقاع، والأكثر وجعًا في الضاحية الجنوبية. وذلك كلّه في تغييب كامل للدور الشرعي والدستوري اللّبناني، نتيجة الفراغ الرئاسي وفي ظلّ حكومة تصريف أعمال، وتاليًا غياب القرار الإجرائي الرسمي. 
إلا أن تاريخ 9 كانون الثاني الفائت يشكّل، مع تاريخ الثامن من شباط الجاري، عنوانًا لمرحلةٍ لبنانية جديدة، يحمل في شكله ومضامينه وأشخاصه، الرئيس العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، و"نوعية" الوزراء الجدد، وطريقة اختيارهم وفق معايير وضعها المعنيون بالتأليف، ملامح قرار حاسم بالنهوض تحت شعار "الإصلاح والإنقاذ" - شعار الحكومة الجديدة - تحت أنظار الخماسية الدولية التي ساعدت في التمهيد لبلوغ هذه المرحلة وتحت رقابة مباشرة من الراعي الدولي الأكبر، الولايات المتحدة، والراعي العربي الأول، المملكة العربية السعودية. 
ولقي خطاب القسم لرئيس الجمهورية استحسانًا وارتياحًا عارمين محليا وخارجيا، وحمل سلسلة عناوين لبنود البيان الوزاري للحكومة الأولى في عهده، الذي أطلّ على اللّبنانيين فسحة أمل في عودة الدولة إلى أن تكون وحدها صاحبة القرارات كلّها عبر مجلس الوزراء، وأن يكون جميع اللّبنانيين بلا استثناء تحت سقف هذه القرارات. 
ولعلّ العهود التي أطلقها الرئيس في خطاب القسم، ولاقاه فيها رئيس الحكومة في طريقة التأليف والمواقف التي أعلنها بعد تشكيلها، تُعتبر ركيزة البيان الوزاري المفترض أن يرسم عناوين خطط الإصلاح وسياسات الإنقاذ، من دون أي معوّقات - كما كان يحصل في السابق - خصوصًا بعد المتغيّرات في الجوار ذي التأثير المباشر على الداخل اللّبناني، أي التغيير في سوريا وانحسار النفوذ الإيراني في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. 
ولا شك في أن العقدة الكأداء التي كان حلّها يستغرق فترة توازي أحيانًا مدة التأليف، وهي ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة"، التي وصلت في مرحلة معينة إلى المقايضة بسحبها من البيان في مقابل عدم إدراج "إعلان بعبدا"، في معادلة إما إيراد الموضوعين أو عدم إدراج أي منهما، شكّلت طوال فترة ما بعد اتفاق الطائف منصة للتحكّم بمفاصل الدولة والقبض على قراراتها. 
ومع حصول المتغيّرات الكبرى في المنطقة، تبدو الساحة اللّبنانية مفتوحة، وبدعم دولي وعربي غير مسبوق، لملاقاة المرحلة الجديدة وعلى أسس ومبادئ لا تستثني أحدًا وتحتضن الجميع تحت سقف الدولة وقراراتها كما جاء في خطاب القسم، وهي حتما ستكون مسؤولة عن الجميع ولن تكيل بمكيال ربح وخسارة لهذه الفئة أو تلك. 
فالواضح أن عقيدة الجيش القتالية هي ضدّ العدو الإسرائيلي والإرهاب، وهو مؤهل للمواجهة والذود عن الوطن، منذ معركة المالكية مرورًا بتصدي الجيش، وخصوصا فوج المغاوير في العام 1972 لمحاولة دخول إسرائيلية إلى الجنوب ومعركة العديسة (2010)، فضلًا عن شهداء الجيش في عدوان العام 2006. 
يُضاف إلى ذلك معركة القضاء على تنظيم "فتح الإسلام" في مخيم نهر البارد (2007) وصولًا إلى معركة "فجر الجرود" (2017). كلّها مواجهات خيضت باللّحم الحي كما يُقال، والإحتضان الداخلي للجيش مكّنه من تسطير مواجهات بطولية تخشاها إسرائيل على رغم تفوقها في العديد والعتاد. 
لذلك، ومع اقتراب الموعد الجديد لانسحاب العدو من الجنوب، بات في الإمكان استبدال المعادلة السابقة بمعادلة "الجيش المقاوم والشعب الحر"، وهي تعني في مضمونها أن الجيش يتولى المقاومة عند حصول أي عدوان، وساعتئذ، سيكون جميع اللّبنانيين وراءه في الدعم وصدّ العدوان. فالشعب أساسًا استعاد حريته من وصايات ساهمت في إضعاف دور الدولة وموقعها وحان الوقت لعودتها إلى هذا الدور، وعودة الشعب إليها وتجديد الثقة بها، تحت ثناية ألماسية هي "جيش مقاوم وشعب حر" في كنف دولة مكتملة السيادة والقرار.