المصدر: إرم نيوز

The official website of the Kataeb Party leader
الأربعاء 12 آب 2026 12:47:48
قال مصدر عسكري لبناني لـ"إرم نيوز" إن حزب الله لجأ خلال الأشهر الأخيرة، وبعد فشله في الحفاظ على عدد من مواقعه ومناطق انتشاره جنوب لبنان، إلى تلغيم مبان ومنازل مدنية، وزرع عبوات في طرق ومناطق تقدمت إليها القوات الإسرائيلية، بهدف إعاقة تحركها وإبقاء الأرض مكلفة عسكريا حتى بعد انسحاب مقاتليه منها.
لكن هذا التكتيك، وفق المصدر، أنتج خطرا لبنانيا موازيا؛ إذ ساهم في جعل أجزاء من المنطقة الحدودية غير قابلة للحياة أو العودة السريعة، حتى في حال أفضت المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل إلى انسحاب القوات الإسرائيلية منها وتسليمها إلى الجيش اللبناني.
وأضاف المصدر أن "زرع العبوات والتلغيم سيصعبان عودة المدنيين الذين يتذرع حزب الله بهم ويشترط عودتهم السريعة إلى قراهم"، موضحا أن مجرد انسحاب القوات الإسرائيلية من قرية لا يعني أن سكانها يستطيعون العودة إليها في اليوم التالي.
وأشار إلى أن خطورة هذه البنية لا تقتصر على القوات الإسرائيلية، بل تمتد إلى الجيش اللبناني وفرق الهندسة والمدنيين، إذ تحتاج أي منطقة يشتبه بوجود عبوات أو ذخائر غير منفجرة داخلها إلى مسح وتأمين قبل السماح بعودة طبيعية للسكان. \
إسرائيل قد تنسحب.. والسكان لا يعودون
وتكتسب معلومات المصدر أهمية أكبر مع انتقال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى البحث في مناطق يمكن أن تنسحب منها إسرائيل على مراحل، مقابل انتشار الجيش اللبناني والتحقق من إزالة البنية العسكرية لحزب الله.
واقترح لبنان بالفعل بلدتي بنت جبيل والخيام ضمن المناطق المرشحة للمرحلة التالية من الانسحاب، فيما اتفق الجانبان على وضع قائمة بدول يمكن أن تشارك في التحقق من نزع سلاح الحزب.
وهنا تظهر مشكلة مختلفة عن مسألة السيطرة العسكرية، وهي ضمان أن الأرض التي ستتسلمها الدولة اللبنانية أصبحت صالحة لعودة سكانها من عدمه. فالمنازل والطرقات والأراضي الزراعية المشتبه بوجود عبوات أو ذخائر فيها تحتاج إلى فحص هندسي، وقد يعني الاشتباه وحده إغلاق طريق أو منع الوصول إلى منزل أو أرض زراعية إلى حين التأكد من سلامتها.
ولا يتعلق الخطر كله بحزب الله. فالقصف الإسرائيلي المكثف خلّف بدوره كميات كبيرة من الذخائر ومخلفات الحرب، بينما أدى الهدم والتجريف إلى جعل مناطق واسعة من الجنوب صعبة السكن أصلا.
ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن جولات القتال المتعاقبة في لبنان خلقت تلوثا جديدا بالذخائر المتفجرة في مناطق سكنية وأراض زراعية وبنى تحتية، بعدما سجل لبنان أكثر من 2300 ضحية للذخائر المتفجرة منذ عام 1975.
الجيش يدفع الثمن أيضا
ولا يشكل زرع العبوات والتلغيم وانتشار الذخائر خطرا على المدنيين اللبنانيين فقط، بل يشمل الجيش اللبناني. ففي أغسطس 2025، قُتل ستة عسكريين لبنانيين أثناء قيام وحدة من الجيش بالكشف على مستودع أسلحة وتفكيك محتوياته في منطقة وادي زبقين بقضاء صور. ولم يقل بيان الجيش إن المستودع فُخخ عمدا، لكن الحادثة كشفت حجم المخاطر التي تواجه العسكريين عند تفكيك مخازن الأسلحة والذخائر المنتشرة جنوب الليطاني.
وتزداد أهمية عمليات التطهير مع استعداد الجيش لتولي السيطرة على مناطق جديدة إذا نجحت المفاوضات. ولهذا وقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الدفاع اللبنانية في نيسان/ أبريل الماضي اتفاق دعم لمركز لبنان للأعمال المتعلقة بالألغام يمتد حتى عام 2030، فيما أكد البرنامج أن التلوث الجديد بالمتفجرات أعاد إلى الوراء سنوات من العمل على تنظيف الأراضي اللبنانية.
قرى بين الهدم والتلغيم
لكن المشكلة الأشد قسوة بالنسبة إلى سكان الجنوب أن العبوات ليست سوى طبقة إضافية فوق دمار واسع أحدثته العمليات الإسرائيلية.
وكشفت تقارير حديثة مستندة إلى صور أقمار صناعية وشهادات ميدانية، عن تدمير واسع للمنازل والمدارس والمنشآت والأراضي الزراعية في جنوب لبنان، فيما باتت إسرائيل تسيطر على نحو 6% من الأراضي اللبنانية.
وتظهر هنا مفارقة قاسية، تتمثل في أن إسرائيل تجعل أجزاء من الجنوب غير قابلة للحياة عبر الهدم والتجريف واستمرار الاحتلال، بينما يضيف حزب الله، وفق المصدر العسكري، عبر تلغيم المباني والطرقات التي اضطر إلى الانسحاب منها، عائقا آخر أمام السكان الذين يقول إنه يقاتل من أجل إعادتهم.
وحتى في المناطق التي لا توجد فيها عبوات زرعها الحزب، فإن امتزاج الركام بالذخائر الإسرائيلية غير المنفجرة ومخازن السلاح والمواد المتفجرة يعني أن إعادة فتح القرى ليست مجرد قرار سياسي، بل عملية هندسية وأمنية قد تستغرق وقتا طويلا.
وقد وصف الاتحاد الأوروبي إزالة الألغام ومخلفات الحرب في لبنان بأنها ضرورية ليس فقط لحماية الأرواح، وإنما لتمكين العودة الآمنة للعائلات النازحة والتعافي وإعادة الإعمار.
الأرض تتحول إلى عبء على أصحابها
في هذا السياق، يقول الخبير والباحث السياسي اللبناني علي حمادة في تعليق لـ "إرم نيوز" إن "تلغيم طرق أو مبان يمكن أن يؤدي وظيفة عسكرية أثناء وجود قوات معادية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتغير السيطرة على الأرض. فالعبوة لا تميز بعد ذلك بين جندي ومدني أو عنصر من الجيش اللبناني، وأي منطقة يشتبه بتلوثها تحتاج إلى مسح هندسي قبل إعادة السكان إليها".
ويضيف أن الأخطر في الأمر، أن إسرائيل تستطيع استثمار وجود هذه العبوات لتبرير إبطاء انسحابها أو مواصلة عمليات التفتيش والهدم. وهنا ينقلب التكتيك على هدفه السياسي، لأن حزب الله يطالب بانسحاب إسرائيل وعودة السكان، بينما يمكن للبنية العسكرية التي يتركها خلفه أن تؤخر الأمرين معا. وفي النهاية يصبح اللبناني صاحب المنزل أو الأرض هو الطرف الذي يدفع الثمن مرتين؛ مرة من الاحتلال والدمار الإسرائيلي، ومرة من عسكرة وتفخيخ البيئة التي يفترض أن يعود إليها، وفقا لحمادة.