من عليّ الطاهر إلى النبطية: إسرائيل توسّع معادلة الرد

يحمل مشهد التصعيد الإسرائيلي الذي شهده الجنوب فجر السبت مؤشراً لافتاً إلى احتمال انزلاق الوضع الميداني نحو مزيد من التعقيد، في ظل إصرار واضح من رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاستثمار السياسي في الجبهة الجنوبية، ومحاولة توظيفها في استحقاقاته الداخلية، مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية.

بهذا المعنى، يرى مراقبون أنَّ نتنياهو وجد في استهداف حزب الله للقوات الإسرائيلية المتوغلة في تلال علي الطاهر ذريعة إضافية للتفلّت من الضوابط التي فرضها الحليف الأميركي عليه بهدف إنجاح المسار التفاوضي الذي يقوده الأخير مع لبنان. فجاء الرد الإسرائيلي باستهداف مناطق في شمال الليطاني، زعم الجيش الإسرائيلي أنها تضم بنى تحتية لحزب الله.

لكن إذا كان الجيش الإسرائيلي أراد، بضربات فجر السبت، الرد على ما اعتبره خرقاً خطيراً من جانب حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار، بعدما هاجم القوات الإسرائيلية داخل "المنطقة الأمنية" المتفق عليها، وفق ما جاء في بيان الجيش الإسرائيلي، فلماذا لم يكتفِ بالرد في المنطقة نفسها التي زعم حصول الخرق فيها، أي منطقة علي الطاهر؟

تشير مصادر "المدن" في مواكبتها لما جرى إلى أن ما أقدم عليه الجيش الإسرائيلي يتعدى كونه "فشة خلق" على إخفاقه في اقتحام علي الطاهر، إلى محاولة فرض معادلة جديدة/ قديمة، تقوم على تحميل حزب الله مسؤولية هذا الإخفاق، عبر توجيه ضربات مباشرة وموجعة إليه، وإلى بيئته الحاضنة.

خلفيات رد إسرائيل خارج النطاق الأمني

وفي هذا السياق، ترى هذه المصادر في معلوماتها لـ"المدن" أنْ ثمة احتمالين لتَركّز الرد الإسرائيلي في النبطية الفوقا وأنصار ودير الزهراني. الأول يتلخّص في كون استهداف القوة الإسرائيلية المتوغلة في منطقة علي الطاهر قد تم من خارج المنطقة، وأن يكون الحزب استخدم مسيّرات هجومية انطلقت من مناطق تقع غربها، وبالتالي ردَّ الجيش الإسرائيلي باستهداف أماكن يزعم أن المسيرات انطلقت منها.

أما الاحتمال الآخر، فهو أن يكون نتنياهو أراد من هذا الرد العنيف توجيه رسالة ثلاثية الأهداف. أولى، إلى حزب الله، ومفادها أنّ بيئته ستكون من يدفع ثمن أي خرق من جانبه لوقف إطلاق النار. ثانية، إلى الحكومة اللبنانية، لمزيد من الضغط عليها ودفعها إلى تنفيذ مطلب الاحتلال بنزع سلاح الحزب. وثالثة باتجاه المسار التفاوضي، عبر محاولة فرض أوراق جديدة على طاولة التفاوض تتيح له التفلّت من أي ضوابط أو سقوف أميركية لأي تصعيد قد يقدم عليه، وتمكّنه من التمدد أكثر في منطقتي جنوب الليطاني وشماله، والاستفادة من هذا الواقع في معاركه الداخلية.

وبحسب مصادر "المدن" نفسها، فإنه من المتوقع، بعد تطورات السبت، أن يحاول الراعي الأميركي للمفاوضات احتواء التصعيد، عبر دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس. لكن ذلك لن يمنع نتنياهو، على الأرجح، من تكرار محاولته اقتحام تلال علي الطاهر، أو على الأقل استهدافها جواً، أو تنفيذ عمليات تفجير لمداخل أنفاق تؤدي إليها.

بموازاة ذلك، يُتوقع أن يكثف الجيش الإسرائيلي رصده الجوي لأي حركة في محيط تلك المنطقة، وعلى طول الخط الممتد منها غرباً باتجاه الساحل، وأن يستهدف ما يراه تهديداً لأمن قواته، من دون مراعاة لوجود مدنيين، كما حصل في أنصار ودير الزهراني.

وفي هذا الوقت، تتابع المصادر، يُتوقع أيضاً أن يواصل الحيش الإسرائيلي تعزيز وتثبيت وجوده وانتشاره، وتكثيف تحركاته في البلدات التي وصلت إليها قواته في القطاعات الثلاث: الشرقي، في كفرتبنيت والشقيف وزوطر الشرقية. والأوسط، في بيت ياحون وحداثا. والغربي، في المنصوري. كما يُتوقع أن يحاول التوغل في مناطق جديدة محاذية لها، وتنفيذ تفجيرات وغارات جوية كالتي سُجلت خلال الشهرين الماضيين، سواء عند حدود "المنطقة الأمنية"، كما يسميها، أو في عمقها.

استبعاد رد حزب الله؟

في المقابل، تستبعد مصادر "المدن" نفسها أن يرد حزب الله ميدانياً على الخروقات الإسرائيلية، بانتظار ضوء أخضر من إيران، يبقى رهناً بتطورات التسابق الإيراني/ الأميركي المستمر لإظهار كل من الطرفين سيطرته على مضيق هرمز والملاحة فيه، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تطورات سياسية تعيد الأمور إلى مسارها التفاوضي، أو ميدانية تدفع بها نحو تصعيد على تلك الجبهة، ينعكس بطبيعة الحال انهياراً لوقف إطلاق النار على جبهة الجنوب اللبناني.