من مركب صيد إلى منزل للنجاة من الحرب

في مرفأ صور، يرقد مركب صيد صغير على صفحة البحر الهادئة، لكنه لم يعد ينتظر رحلة جديدة بحثًا عن السمك. فالمركب الذي كان يحمل الصياد محمد أبو العينين كل صباح نحو رزقه، تحوّل اليوم إلى منزل موقت يؤويه وزوجته نسرين وعائلتهما هربًا من الغارات الإسرائيلية التي طالت المدينة وأثقلت سماءها بالخوف.

على متن المركب الخشبي، تبدّلت وظيفة المكان وتغيّرت معالم الحياة. فالمساحة التي كانت تكتظ بالشباك والمعدات البحرية أصبحت تضم سريرًا وطاولة صغيرة وبعض الأواني المنزلية. أما البحر الذي اعتاد محمد أن يقصده طلبًا للقمة العيش، فأصبح ملاذًا يلوذ به من نار الحرب التي اقتربت من منزله في حي الرمال.

يقول أبو العينين لـ"نداء الوطن" إن البحر لم يعد بالنسبة إليه مجرد مصدر للرزق، بل تحوّل إلى مساحة للنجاة بعدما ضاقت بهم اليابسة تحت وطأة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المدينة والأحياء السكنية فيها بلا هوادة.

قبل الحرب، كان محمد يخرج مع ساعات الفجر الأولى في رحلة يومية بحثًا عن رزقه بين الأمواج. أما اليوم، فيمضي ساعات طويلة جالسًا قرب الشباك المعلقة على جوانب القارب، يتأملها بصمت، وكأنها تروي قصة التحول القاسي الذي فرضته الحرب على حياته. فالشباك التي كانت تمتلئ بالأسماك عادت فارغة، والمركب الذي كان يعود محملا برزق البحر عاد يحمل أسرة تبحث عن الأمان.

ويقول أبو العينين: "منذ سنوات وأنا أعمل في الصيد، لكنني لم أتخيل يومًا أن أعيش داخل مركبي. لقد أصبح بيتنا الموقت بعدما أجبرتنا الحرب على ترك منزلنا".

داخل القارب، حاولت زوجته نسرين أن تنتزع شيئًا من الحياة من قلب الظروف القاسية. رتّبت زاوية صغيرة للطهي، وخصّصت مكانًا للنوم، ونشرت الملابس فوق سطح المركب لتجف تحت الشمس. وبإمكانات محدودة، راحت تعيد تشكيل المكان ليشبه منزلا ولو بالحد الأدنى.

ولم تكن عائلة محمد وحدها التي دفعت ثمن الحرب. فآلاف العائلات في مدينة صور وجدت نفسها أمام خيارات صعبة بين النزوح والبقاء وسط الخطر. إلا أن قصة أبو العينين تحمل مفارقة مؤلمة؛ فالرجل الذي كان يواجه البحر كل يوم ليؤمن قوت عائلته، وجد نفسه يواجه الحرب من فوق البحر ذاته، بعدما تحوّل مركب الرزق إلى بيت للنجاة.

ومع تصاعد الغارات واقتراب القصف من الأحياء السكنية، لم يعد البقاء في المنزل خيارًا آمنًا. سقطت الغارات في الحي على مقربة من المنزل، وتحولت أصوات الانفجارات إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، فكان القرار بالانتقال إلى المركب.

ويضيف محمد: "الحمد لله، نأكل ونشرب وننام هنا، لكن هذه ليست حياة. منذ ثلاثة أشهر لم أخرج في رحلة صيد واحدة، وانقطعت أرزاقنا بالكامل، وما زلنا ننتظر وقفًا حقيقيًا لإطلاق النار، نأمل أن يكون قريبًا ونهائيًا".

وعلى جوانب القارب، لا تزال الشباك معلقة في انتظار موسم أكثر أمانًا، فيما تتراكم الأعباء المعيشية على العائلة يومًا بعد يوم. وهي معاناة يعيشها مئات الصيادين في مرفأ صور الذين توقفت أعمالهم فجأة، وباتوا عالقين بين بحر لا يستطيعون ارتياده وحرب لا يعرفون متى تنتهي.

أما نسرين، فما زالت تجد صعوبة في استيعاب واقعها الجديد. تقول إن العائلة تمسكت بالبقاء في منزلها طوال شهرين من الحرب، لكن اشتداد القصف دفعها في النهاية إلى الرحيل.

وتضيف: "حملنا بعض الثياب وأدوات المطبخ الضرورية فقط، وانتقلنا إلى القارب. حاولنا أن نصنع منه بيتًا صغيرًا، لكن الحياة فوق الماء ليست سهلة".

ففي قلب الميناء، لا يغيب هدير الطائرات المسيّرة عن السماء، ولا يغادر القلق قلوب السكان. كل صوت مفاجئ يعيد إليهم مشاهد الخوف، وكل انفجار يعيد طرح السؤال نفسه: إلى متى؟

وبينما يتأرجح المركب بهدوء فوق الماء، تبقى قصته شاهدًا على واحدة من أكثر صور الحرب قسوة؛ مركب صيد صُمّم ليحمل صاحبه إلى رزقه، فإذا به يحمل عائلة كاملة إلى ملاذها الأخير، بعدما تحوّل من وسيلة للعيش إلى وسيلة للنجاة.