من مقاومة إلى عصابة خارجة عن القانون

 

في البدايات، لم يكن النقاش حول حزب الله يشبه النقاش اليوم.

كان هناك احتلال، وكان هناك شعب يبحث عن وسيلة للدفاع عن أرضه ، في تلك المرحلة، استطاع الحزب أن يقدّم نفسه كحركة مقاومة، وأن يحصد تعاطفًا واسعًا في لبنان والعالم العربي والإسلامي،  حيث أن كثيرون رأوا فيه قوة تقاتل الاحتلال، ورمزًا لكرامة مفقودة في زمن الهزائم.

لكن المشكلة في التجارب السياسية والعسكرية لا تبدأ في لحظة النشوء، بل في المسار الذي تسلكه لاحقًا.

فالمقاومة، مهما كانت شرعيتها في البداية، تحتاج دائمًا إلى معيار واضح يضبطها: أن تبقى في خدمة الوطن، وأن تبقى خاضعة لمصلحة الناس والدولة.
وهنا تحديدًا بدأ الانحراف.

مع مرور السنوات، لم يعد سلاح حزب الله مرتبطًا فقط بمواجهة الاحتلال، بل أصبح جزءًا من منظومة إقليمية أوسع ، لم يعد القرار لبنانيًا خالصًا، بل أصبح متداخلًا مع حسابات محور سياسي–عقائدي تقوده إيران .  شيئًا فشيئًا، تحوّل الحزب من قوة تقاتل على أرض لبنان إلى لاعب في حروب المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن، وصولًا إلى ما يسمّى بحروب "الإسناد" التي تُفتح فيها الجبهات بقرار لا علاقة للبنان به.

وهنا سقط الخط الفاصل بين المقاومة والميليشيا.

فالمقاومة تُقاس بقدرتها على حماية شعبها، لا بقدرتها على جرّه إلى حروب لا قرار له فيها.

المقاومة تحاسب نفسها على نتائج أفعالها، أما الميليشيا فتعفي نفسها من أي حساب لأنها ترى نفسها فوق الدولة وفوق المجتمع.
ما نراه اليوم هو نتيجة هذا التحوّل الطويل.

حزب كان يومًا ما يحظى بتعاطف واسع لأنه واجه الاحتلال، أصبح اليوم قوة مسلحة تتصرف خارج منطق الدولة. يقرر الحرب من دون الدولة، ويطلب من اللبنانيين أن يدفعوا ثمن خيارات لم يشاركوا في اتخاذها.

والأخطر من ذلك أن هذا التحول لم يدمّر الدولة فقط، بل دمّر فكرة المقاومة نفسها.

حين تصبح المقاومة جزءًا من مشروع إقليمي، تفقد معناها الوطني.

وحين يتحول السلاح إلى أداة لفرض أمر واقع داخلي، يسقط آخر مبرر أخلاقي لوجوده.

وهكذا وصلنا إلى المفارقة القاسية التي يعيشها لبنان اليوم:
تنظيم بدأ اسمه مرتبطًا بالمقاومة، وانتهى به الأمر كقوة مسلحة خارجة عن القانون، تتحرك وفق منطق المحاور لا منطق الدول، وتدفع بلدًا كاملًا إلى حروب لا تشبهه.

ليست المشكلة في تاريخ أي حركة، بل في قدرتها على قراءة لحظة التحول.

فكل تجربة مقاومة في العالم واجهت هذا السؤال: هل تتحول إلى جزء من الدولة بعد انتهاء دورها، أم تبقى سلاحًا مستقلًا يفرض نفسه على الدولة؟
في لبنان، اختير الطريق الثاني.

وهذا هو السبب الحقيقي الذي جعل المقاومة تسقط من موقعها الطبيعي، وتتحول إلى عصابة مسلحة متفلّتة من القانون.

لأن المقاومة التي لا تعود إلى الدولة…

تتحول عاجلًا أم آجلًا إلى مشكلة للدولة نفسها.