المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الخميس 17 أيلول 2026 16:15:35
كان يفترض أن تكون جلسة مناقشة الحكومة مناسبة لمساءلة الحكومة. هذا هو العنوان الذي دخل تحته مجلس النواب يومي 15 و16 أيلول، لكن ما خرج من ساحة النجمة كان مختلفاً. فالحكومة نالت الثقة مجدداً، فيما تحوّل جانب أساسي من النقاش إلى مكان آخر تماماً: إلى الحرب، إلى قرار الحرب والسلم، إلى السلاح، وإلى الجهة التي اتخذت قراراً جرّ لبنان إلى الحرب ثم تركت الدولة تواجه نتائجها.
وهنا تصبح مطالبة النائب سامي الجميّل، التي تكررت أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب، ذات دلالة تتجاوز موقفه السياسي. فالجميّل كان يطالب بري بالدعوة إلى جلسة مخصصة لمناقشة الحرب، انطلاقاً من أن هذا هو النقاش الذي ينتظره النواب والمواطنون، وأن مجلس النواب لا يمكن أن يبقى متفرجاً فيما البلد يدفع ثمن حرب لم يكن قرارها صادراً عن مؤسساته الدستورية. وفي 11 آب، طالب تحديداً بعقد جلسة خاصة لمناقشة الحرب، معتبراً أن للمجلس دوراً في مساءلة الحكومة ومحاسبتها. واليوم، حصل ما كان يطالب به، وإن من الباب الذي لم يُفتح له عنوان مستقل.
فجلسة مناقشة الحكومة تحولت عملياً إلى جلسة لمناقشة الحرب نفسها، ومعها انتقل السؤال من ماذا فعلت الحكومة؟ إلى من قرر الحرب؟ وهذا التحول لم يكن تفصيلاً عابراً في الجلسة. فمن أصل 59 مداخلة نيابية خلال اليومين، هيمنت الحرب والسلاح والسيادة والجنوب والمفاوضات على جانب أساسي من النقاش، إلى جانب الملفات الاقتصادية والاجتماعية وأداء الحكومة. وفي نهاية المطاف، جُددت الثقة بالحكومة بـ68 صوتاً، فيما كان نواب حزب الله خارج القاعة عند التصويت، بينما صوّت نواب حركة أمل إلى جانب الحكومة.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة. الحكومة لم تكن الخاسر الحقيقي في الجلسة، بل إن نتيجة التصويت أثبتت أنها لم تكن أمام خطر فعلي. أما حزب الله، فوجد نفسه في قلب نقاش سياسي لم يكن عنوان الجلسة الأصلي. فعندما يصبح قرار الحرب والسلم موضوعاً للنقاش تحت قبة البرلمان، ويُطرح السؤال حول السلاح خارج الدولة، وتُثار المسؤولية عن حرب ونتائجها، يصبح من الصعب إبقاء صاحب القرار خارج دائرة المساءلة، حتى لو لم تكن الجلسة مخصصة رسمياً لمساءلته أو استجوابه.
ومن هنا يمكن قراءة خطوة بري بأكثر من طريقة. فالدعوة إلى جلسة مباشرة لمناقشة الحرب كانت ستفتح مواجهة سياسية أكبر، فيما جاء عنوان الجلسة أكثر هدوءاً: مناقشة الحكومة. لكن النتيجة جاءت لتكشف أن هذا العنوان لم يمنع وصول النقاش إلى جوهر المسألة. فالنواب، ومعهم الرأي العام، كانوا يريدون نقاش الحرب وتداعياتها، وما جرى في ساحة النجمة أظهر أن هذا النقاش بات من الصعب فصله عن سؤال السلاح وقرار الحرب والسلم.
والدليل الأوضح على أن الجلسة حملت شيئاً أبعد من محاسبة الحكومة هو ما ظهر داخل الصف الشيعي نفسه. فالتباين في الموقف والسلوك بدا أكثر وضوحاً، خصوصاً في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى البيئة الشيعية: حرب أنهكت الجنوب، وسلاح أصبح موضوع نقاش دستوري وسياسي، ودولة تحاول تثبيت حقها الحصري في قرار الحرب والسلم.
واللافت أن هذا التباين لا يبدو محصوراً داخل مجلس النواب. ففي بعض المناطق، بدأت تظهر احتكاكات وإشكالات بين مناصري حركة أمل وحزب الله، بالتوازي مع مؤشرات سياسية وإعلامية تتحدث عن تمايز داخل البيئة الشيعية. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً كان يبدو طوال السنوات الماضية محسوم الإجابة: هل ما زال التوافق بين الطرفين قادراً على استيعاب كل التناقضات، أم أن الحرب وتداعياتها بدأت تفتح مساحات خلاف كانت مخفية تحت سقف الثنائي؟
وربما لا يوجد ما هو أكثر رمزية في هذا السياق من عودة صور داوود داوود إلى المشهد. فالقيادي البارز في حركة أمل، الذي اغتيل عام 1988 خلال مرحلة الصراع الدموي بين حركة أمل وحزب الله، يعود اسمه وصورته اليوم في لحظة يعود فيها النقاش نفسه، وإن بأشكال مختلفة، حول هوية الجنوب وقراره وعلاقته بالخارج.
ينتمي داوود إلى زمن كان فيه الصراع داخل البيئة الشيعية اللبنانية على أشده، وكانت حركة أمل تخوض مواجهة عسكرية وسياسية مع حزب الله. وكان داوود من أبرز الرافضين للنفوذ الإيراني ولربط قرار الجنوب بإيران، في موقف عبّر عن فكرة لبنانية القرار داخل البيئة الشيعية.
إن استحضار داوود اليوم ليس بلا معنى؛ فهو استحضار لذاكرة صراع قديم على قرار الجنوب بين حركة أمل وحزب الله، ويضع هذه الذاكرة أمام واقع جديد فرضته الحرب الأخيرة.
كشفت جلسة مناقشة الحكومة أن النقاش اللبناني انتقل خطوة إضافية: لم يعد السؤال فقط كيف تدير الحكومة البلد، بل من يملك قرار البلد عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلاح. ولم يعد من السهل سياسياً أن يبقى حزب الله طرفاً يشارك في النقاش من موقع "المقاومة"، فيما تبقى مسؤولية الحرب ونتائجها على عاتق الدولة وحدها.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة الأكبر: جلسة سُمّيت لمناقشة الحكومة، انتهت بفتح نقاش أوسع بكثير حول حزب الله. جلسة لم تُدعَ أصلاً لمحاسبة الحزب، تحولت عملياً إلى مساحة لمساءلته سياسياً عن الحرب والسلاح والقرار. وإذا كانت هذه الأسئلة قد دخلت البرلمان بهذه القوة، فإن انتقال صداها إلى الشارع، وظهور التباين بين أمل وحزب الله في أكثر من مشهد، يعني أن المسألة لم تعد مجرد سجال نيابي عابر، بل نقاشاً بدأ يلامس عمق المعادلة التي حكمت البيئة الشيعية ولبنان لسنوات طويلة.
وفي النهاية، بقيت المفارقة الأبرز في سلوك حزب الله نفسه. فالحزب الذي يهاجم ويُخَوّن الحكومة وأدائها، كان يفترض أن يحجب الثقة عنها، لكنه اختار الانسحاب قبل التصويت، هارباً من لحظة الحسم. وبذلك، تحوّل خطابه من رفض الحكومة إلى موقف لم يُترجم الجلسة، ما يضعه أمام تناقض واضح بين ما يقوله لمناصريه وما يفعله تحت قبة البرلمان.