مهمة صندوق النقد تنتهي بإشادة وتحفظات... تحفظ على زيادة الرواتب ودفع نحو رفع الـ"TVA"


غادر وفد صندوق النقد الدولي لبنان بعد أن سجل إشادة بالتعاون الذي أبدته الحكومة ومصرف لبنان، وبما تحقق من خطوات  في مسار الإصلاح، ولا سيما إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف واعداد موازنة 2027. لكن نهاية المهمة نقلت لبنان إلى مرحلة أكثر صعوبة، تتعلق بإمكان تنفيذ ما التزم به، في ظل محدودية موارده وارتفاع الإنفاق وحجم الاستحقاقات المالية. فالصندوق، وإن أبدى ارتياحه إلى ما تحقق، وضع أمام لبنان سلسلة من المطالب التي لا تزال تحتاج إلى قوانين وإصلاح اضافي، من قانون الفجوة المالية واسترداد الودائع إلى ضبط الإنفاق الجاري وزيادة الإيرادات وإصلاح الكهرباء.

وعكس الاجتماع الختامي مع وفد الصندوق، برئاسة إرنستو ريغو، هذا التوازن بين التقدم المسجل والتحفظات المتبقية. فقد أشاد رئيس الوفد بأداء الحكومة ووزارة المالية وبالتعاون القائم مع مصرف لبنان، معتبراً أن هذا التعاون ساهم في تحقيق قدر من الاستقرار النقدي رغم الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة. وفي المقابل، أشار إلى ملفات لا تزال عالقة وملاحظات على بعض القوانين والإجراءات، ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الدولة على ترجمة ما أقرته والتزمت به إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتمويل.

عقد الاجتماع الختامي مع وفد صندوق النقد، بحضور وزير المال ياسين جابر، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، ونواب الحاكم مكرم بو نصار وسليم شاهين وغابي شينوزيان، والمدير العام لوزارة المال جورج معراوي، والمديرة العامة للجمارك غراسيا قزي، وعدد من المسؤولين والمستشارين، إلى جانب وفد الصندوق والخبراء المشاركين في المهمة.

أعرب رئيس وفد الصندوق عن ارتياح الصندوق لإقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، فيما أشار إلى أن الصندوق ينتظر إقرار قانون الفجوة المالية، مع وجود عدد من الملاحظات التي جرى بحثها مع الجهات المعنية.

100 ألف دولار... وسؤال عن السيولة
من أبرز ملاحظات الصندوق على قانون الفجوة المالية مسألة سقف الـ 100 ألف دولار المخصص لإعادة الودائع. ووفق تقديرات الصندوق، قد يكون تطبيق هذا السقف صعباً في ضوء حجم السيولة المتاحة، خصوصاً إذا جرى احتساب الالتزامات على مدى السنوات الأربع. وأشار إلى أن القانون يتضمن أفكاراً جيدة، إلا أن ترجمتها عملياً تبقى مرتبطة بحجم السيولة التي يمكن تأمينها.

ويرى الصندوق أن معالجة الودائع لا تقتصر على تحديد سقف للمبالغ القابلة للدفع، بل تتطلب صيغة قابلة للتنفيذ تتناسب مع الموارد المتاحة فعلياً. ومن هنا، قد يكون من الضروري تقسيم المبالغ المستحقة أو إعادة النظر في سقف المبلغ القابل للدفع، بما يتلاءم مع السيولة المتوافرة.

في هذا السياق، شدد الصندوق على ضرورة إقرار قانون لاسترداد الودائع يكون قابلاً للتطبيق ومتوافقاً مع المعايير الدولية. ورأى أن الصيغة الحالية مقبولة من حيث المبدأ، لكنّها تحتاج إلى تعديلات، ولا سيما في ما يتعلّق بترتيب أولوية المطالبات (Hierarchy of Claims).

تحفظ على زيادة الرواتب
في موازاة ملف الودائع، أبدى صندوق النقد تحفظات على الزيادة في الرواتب والأجور التي أقرت ضمن موازنة عام 2027، معتبراً أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يعاني ولم يتعافَ بعد بالقدر الذي يسمح بتحمّل زيادات إضافية في الإنفاق.

وبحسب الصندوق، لا يزال الاقتصاد بعيداً عن مستويات عام 2019، فيما لم يسجّل نمواً فعلياً خلال عام 2026، بل من المتوقع استمرار الركود والنمو السلبي. وبالتالي، فإن أيّ زيادة جديدة في الإنفاق العام يفترض أن تقابلها إيرادات إضافية جدية تؤمّن تمويلها.

كذلك، شدّد الصندوق على ضرورة أن تأخذ الموازنة في الاعتبار التزامات الدولة تجاه حاملي سندات اليوروبوندز والفوائد المستحقة عليها، مشيراً إلى أن أي اتفاق مع الصندوق يتطلب تحقيق فائض مالي أوليّ يتيح للدولة الوفاء بالتزاماتها.

ورغم اعتبار إعداد موازنة عام 2027 خطوة إيجابية، كان الصندوق يفضل أن يكون الإنفاق الاستثماري أكبر، بدلاً من تركيز جزء أساسي من الموازنة على الرواتب والأجور والتقديمات الاجتماعية.

زيادة الـTVA 2% لرفد الإيرادات 
مع محدودية الإيرادات العامة، يركز الصندوق على ضرورة تحسين قدرة الدولة على التحصيل وإقرار ضرائب إضافية ذات مردود مالي.

وفي هذا الإطار، يؤيد الصندوق زيادة ضريبة القيمة المضافة (TVA)، باعتبارها ضريبة يسهل تحصيلها، ويمكن أن تساهم في تعزيز الإيرادات، وتحديداً في ظل ارتفاع الإنفاق على الرواتب والتقديمات الاجتماعية. وطرح الصندوق ضرورة إقرار زيادة الضريبة بنسبة 2% أو أكثر كأحد الإجراءات التي يمكن أن تساعد في تأمين الإيرادات المطلوبة.

وأشاد الوفد في المقابل بالتحسّن المسجّل في تحصيل الإيرادات والتقدم في الجباية، كما أبدى إيجابية تُجاه التعاميم التي يعتمدها مصرف لبنان، ولا سيما ما يتعلق بالامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتخفيف الدفع النقدي. 

الكهرباء... إصلاح مؤجل ومكلف
لم يغب ملف الكهرباء عن محادثات الصندوق، إذ شدد على ضرورة إصلاح القطاع باعتباره من المشكلات المزمنة في لبنان، داعياً إلى حلول مستدامة لزيادة الإنتاج وتحسين أداء القطاع، بما في ذلك البحث في مصادر إنتاج بديلة.

كذلك أشار إلى ضرورة رفع تعرفة الكهرباء في ضوء ارتفاع أسعار النفط والتكاليف المرتبطة بإنتاج الطاقة. 

في المحصلة، يرى صندوق النقد أن لبنان حقق تقدماً في مسار الإصلاح وفي إدارة المالية العامة وتحسين الإيرادات، وأكد أن إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف وإعداد موازنة 2027 يمثلان خطوات إيجابية، إلا أن الوصول إلى اتفاق نهائي لا يزال يتطلب تنفيذ مجموعة من الالتزامات.

وتشمل هذه الالتزامات استكمال القوانين الإصلاحية، وضبط نمو الإنفاق العام الجاري، واستكمال تحسين تحصيل الإيرادات، والتفاوض مع حاملي سندات اليوروبوندز باعتباره خطوة أساسية لمعالجة الدين العام، إضافة إلى إقرار قانون قابل للتطبيق لاسترداد الودائع.

وبشأن موعد الاتفاق، أشير خلال الاجتماع إلى إحراز تقدم في المفاوضات، مع إمكان أن يكون التوصل إلى الاتفاق غير بعيد، إلا أن الصندوق يربط الانتقال إلى اتفاق نهائي باستكمال الإجراءات والقوانين المطلوبة وتأمين مقومات الاستدامة المالية.