الجمعة 24 حزيران 2022

2:09 ص

"ميقاتي الرابع" كُلّف لمهمة شاقّة... تُمَهّد لانتخابات الرئاسة أو "ترثها"؟

المصدر: الراي الكويتية

وَضَعَ الرئيس نجيب ميقاتي في جيْبه التكليف الرابع له منذ 2005، ليبقى نجاحه في تأليف الحكومة الجديدة رهينةَ تَضارُب الأجندات بين الأفرقاء الوازنين في الواقع الداخلي و«رياح متضاربة» خارجية قد تُبْقي تصريفَ الأعمال عنوان المرحلة الانتقالية الفاصلة عن الانتخابات الرئاسية (موعدها الدستوري بين 31 أغسطس و31 أكتوبر المقبلين).

وعكستْ الأكثريةُ النسبيةُ التي كُلِّف بموجبها ميقاتي، أمس، بـ 54 نائباً من أصل 128 نائباً يتألف منهم البرلمان، التعقيدات الكبرى التي ستحوط بالمَهمة الشاقة للرئيس المكلف الذي «يرث» ندوب الأشهر السبعة التي ترأس فيها الحكومة التي تحوّلت قبل نحو أربعة أسابيع إلى تصريف الأعمال عقب الانتخابات التشريعية، كما تشظّيات الاستحقاق النيابي الذي أَفْرَزَ مجموعة أقلياتٍ تتقاطع على «القِطعة» لتشكّل غالبيات متحرّكة.
وانطبعتْ الاستشاراتُ النيابية المُلْزِمة التي أجراها الرئيس اللبناني ميشال عون، أمس، بمجموعة مفارقاتٍ وخلاصات أبرزها:

• أن الأصوات التي سُمي بموجبها ميقاتي هي الأدنى التي يحصل عليها منذ أول تكليف له في أبريل 2005 (نال 57 صوتاً)، وبعدها في يناير 2011 (حصد 68 نائباً)، وصولاً إلى نيْله في يوليو 2021، 72 صوتاً.

• أن ميقاتي «نافَس» بالدرجة الأولى «كتلة الممتنعين» عن التسمية التي ضمّت 46 صوتاً، متعددي الانتماء السياسي، تَقاطَعَ فيها نواب من المعارضة مع آخرين من الموالاة (ائتلاف حزب الله والتيار الوطني الحر)، حيث اختارت «القوات اللبنانية» بنوابها الـ 19 تسمية «لا أحد»، وكذلك 3 من التغييريين، ومستقلون. ومن المقلب الآخر تَصَدَّر «التيار الحر» المحتجبين عن التسمية من معكسر الموالاة (18 نائباً).

• أن «الأقلية الغالِبة» التي كُلِّف بها ميقاتي، تضمّنت «خليطاً» طغى عليه نواب الموالاة، وفي مقدّمهم كتلتا «حزب الله» والرئيس نبيه بري و«المردة» والطاشناق ونواب سنّة من 8 مارس، مع تسميته من القسم الأكبر من النواب السنّة من المعارضة وغالبيتهم من قدامى «المستقبل».

• أن كتلة نواب المعارضة (ما خلا غالبية النواب السنّة) انقسمت بين إما لا تسمية، أو اختيار القاضي نواف سلام (نال 25 صوتاً) في تصويت «ضدّ المنظومة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار المريع»، في حين برز دخول التغييريين الـ 13 الاستشارات معاً وإعلانهم تصويت 10 منهم لسلام ليمتنع 3 وسط معلومات عزت ذلك إلى اعتبار الأخير قريباً مما كان يُعرف بقوى 14 مارس.

• أن كتلة «اللقاء الديموقراطي» (8 نواب) سمّت سلام، على عكس ما فعلتْه في استشارات يوليو الماضي، وهو ما بدا انعكاساً لاستشعارها بأن نبض الشارع الذي عبّرت عنه الانتخابات النيابية يفرض عليها قياس خطواتها بدقة، ولا سيما أن «خسارة الشارع» لن يوازيها أي ربْح في حكومةٍ تشي غالبية المؤشرات إلى أنها قد لا تولد أبداً.

• أن كتلة الموالاة كانت أقل تَشَتُّتاً وضبْطاً لأصواتها التي صبّ عدد أكبر من «نوابها» الصافين لمصلحة ميقاتي، في حين أن المعارضة لم تنجح في أن تحشد لسلام إلا 25 نائباً، وذلك لاعتباراتٍ عدة بينها تعاطي بعض المعارضة مع هذه المرحلة على أنها «وقت مستقطع» بانتظار أمّ المعارك المتمثلة في الانتخابات الرئاسية.

وثمة مَن رأى في هذا السياق، أن هناك رسائل «بين سطور» الامتناع عن التصويت وجّهها بعض أطراف المعارضة لميقاتي الذي رفع «جداراً» بوجه شروط رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل لحكومةٍ يطمح الأخير لأن يعزز فيها موقعه ويضمن خوض المكاسرة الرئاسية المرتقبة بأوراق قوةٍ أكبر وبقدرةٍ أعلى على الصمود في لعبة «عضّ الأصابع» وإنهاك الآخَرين لفرض انتخابه رئيساً على غرار ما حصل مع الرئيس عون.

ومن هنا، فإن حساب عدم التأليف طغى على خيار بعض المعارضة في امتناعها عن التسمية، على قاعدة أن التشكيل بشروط باسيل سيسمح بتكرار خطأ العام 2014 حين شُكلت حكومة الرئيس تمام سلام على تخوم انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، ما وفّر ظروفاً أكثر ملاءمة لفراغٍ رئاسي استمرّ نحو 30 شهراً وتحكّمت بمجرياته قوى 8 مارس بقيادة «حزب الله» وصولاً إلى جرّ 14 مارس لمفاضلةٍ سوريالية في السياسة بين عون ورئيس «المردة» سليمان فرنجية، وكلاهما مرشحا الحزب.

• أن الاستشارات التي قاطعها النائب أشرف ريفي، وغاب عنها النائب ملحم طوق (بداعي السفر)، انطبعت بترشيحٍ النائب جهاد الصمد (من 8 مارس) للرئيس سعد الحريري في تسميةٍ بدتْ «حمّالة رسائل»، كما بتسمية النائب إيهاب مطر، الدكتورة روعة حلّاب لرئاسة الحكومة.

• أن امتناع الكتلتين المسيحيتين الأكبر (القوات والتيار الحر) عن تسمية ميقاتي هو تكرار لِما حصل في استشارات يوليو الماضي، قبل أن يعود باسيل ويمنح حكومة ميقاتي الثقة، في حين أن هذا الامتناع بدأ يترك في أوساط سنية علامات استفهام حول «عدم مراعاة» هاتين الكتلتين خيارات المكوّن السني في رئاسة الحكومة وذلك منذ امتناعهما قبلها عن تسمية الحريري مرتين عقب انتفاضة 17 أكتوبر وفي المرحلة التي تلت استقالة حكومة الرئيس حسان دياب.

وفي حين يُنتظر أن يُجْري ميقاتي الأسبوع الطالع الاستشارات غير الملزمة مع الكتل البرلمانية قبل وضع مسودة للتشكيلة التي يراها مناسبة، فإنّ الإشارات التي أطلقها باسيل بعد إعلان عدم التسمية عكست اتجاهاً لتشدُّد في مرحلة التأليف الذي يملك عون أحد مفتاحيْ توقيعه، وذلك بإثارته مجدداً مسألة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة (يريد فريق عون الإطاحة به)، وحديثه عن «أننا لا نرى مع ميقاتي فرصة حقيقية للإصلاح في البلد، ولا انسجام بين ميقاتي والإصلاح».

ويشي هذا الكلام بأن شد الحبال سيكون قاسياً في مسار التأليف رغم الانطباع بأن ميقاتي، وعلى عكس رغبة فريق عون بحكومةٍ سياسية، يفضّل تشكيلةً «شبه مستنسخة» عن التي تحوّلت إلى تصريف الأعمال أي اختصاصيين بغطاء سياسي، مع إدخال بعض التعديلات عليها، بما لا يمسّ التوازنات الأساسية وربما بما لا يُبْقي حقيبة الطاقة خصوصاً مع «التيار الحر»، فتكون بمثابة حكومة معدَّلة تولد بمراسيم وتَمْثُل أمام البرلمان لنيل الثقة.

على أن أي صيغة مماثلة دونها «التوقيع الذهبي» الذي يملكه عون الذي لن يسلّم بحكومةٍ لا يرضى عنها باسيل الذي لن يسهّل ولادة تشكيلةٍ لا تمنحه تَفَوُّقاً «يُقرَّش» في السباق الرئاسي، والذي لا مصلحة له في الوقت نفسه ببقاء حكومة تصريف الأعمال الحالية لترث صلاحيات رئيس الجمهورية بحال حلّ الشغور عند انتهاء ولاية عون، وهو ما يجعل قدرته على المقايضة محكومة بـ «خاصرة رخوة» وفق خصومه الذين بدأ بعضهم يجاهرون بأن «المعركة الحقيقية هي الانتخابات الرئاسية» وليس حكومة «لن تقدّم ولن تؤخر».

أما «حزب الله»، فيبدو الأكثر ارتياحاً لمسار يشكّل واقعياً امتداداً لمرحلة ما قبل الانتخابات النيابية التي تتبدّد تباعاً نتائجها التي أوحت بانتقال الغالبية من ضفة ائتلاف «حزب الله» - التيار الحر إلى خصومه، وسط انطباعٍ بأنّه يبقى الأقوى بين «ضعفاء»، وبعضهم من حلفائه الذين لا يضيره أن «يعودوا إلى حجمهم»، أولاً لأن ذلك يجعلهم بحاجة أكثر له، وثانياً لأن ذلك يسهّل إدارته لاستحقاقات أخرى كالانتخابات الرئاسية بأريحية أكبر على مستوى مروحة الخيارات.