المصدر: نداء الوطن
الاثنين 27 نيسان 2026 07:16:10
ما هي النتائج التي عاد بها الوفد اللبناني الذي شارك في اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد، وأجرى في خلال وجوده في العاصمة الأميركية، سلسلة اتصالات مع أكثر من طرف، في مقدمها الطرفان الأميركي والأوروبي؟
يبدو أن مناخ الاجتماعات التي عقدها الوفد اللبناني في واشنطن، اختلفت بين بدايتها وخاتمتها. في الأيام الاولى، ورغم شعور الوفد بالتعاطف الكبير الذي أبداه الجميع مع لبنان، كما يقول وزير المالية ياسين جابر، إلا أن الترجمة الفعلية لهذه العاطفة لم تكن موجودة، بمعنى أن الشهية لتقديم مساعدات لم تكن متوفرة. لكن طريقة التعاطي اختلفت من حيث الشكل على الأقل، وفي اتجاه إيجابي، منذ إعلان لبنان الرسمي عن بدء مفاوضات مباشرة مع اسرائيل برعاية أميركية، كما يؤكد وزير الاقتصاد عامر البساط.
في جردة عملانية للنتائج التي انتهت اليها الاتصالات والمحادثات، يتبين، أن الإدارة الأميركية استبقت وصول الوفد اللبناني إلى واشنطن من خلال إعلان الخارجية الأميركية عن تقديم 58 مليون دولار كمساعادات إنسانية للبنان. كذلك أبلغ البريطانيون الوفد أن وزيرُا من الحكومة البريطانية سوف يزور بيروت قريبا للإعلان عن تقديم مساعدة تتراوح بين 10 و20 مليون استرليني. الاتحاد الأوروبي اكتفى بتقديم وعد بتسريع حزمة مساعدات ينوي تقديمها إلى لبنان، من دون تحديد المبلغ والتوقيت.
وقد تبين أن الخبر الذي نقلته "بلومبرغ"، والذي تحدث عن مليار دولار تعهد صندوق النقد بتخصيصها للبنان، غير صحيح جملة وتفصيلًا، وأن المباحثات مع الصندوق بقيت في النقطة العالقة فيها، والتي ترتبط بالاتفاق على برنامج متكامل.
بالنسبة إلى البنك الدولي، جرى التركيز في المباحثات على إمكانية الاستفادة من القروض القائمة أصلًا، والمخصّصة للبنان، لتغيير وجهة استخدام بعضها في اتجاه القضايا الأكثر الحاحًا، والمرتبطة بتداعيات الحرب، بعدما تعذر إقناع البنك بتخصيص قرض طارئ لمساعدة لبنان في الظروف الاستثنائية التي يمر بها.
يبلغ مجموع القروض الممنوحة للبنان من قبل البنك الدولي حوالى 1,4 مليار دولار. وقد اقترح الوفد اللبناني استخدام جزء من هذه القروض، ومنها على سبيل المثال، مبلغ الـ 90 مليون دولار المخصّص في الأساس لمشروع الطاقة الشمسية، حيث يمكن تأجيل تنفيذ هذا المشروع حاليًا، وتوجيه الأموال نحو الحاجات الأكثر الحاحًا.
كما يمكن الاستناد إلى مبدأ الـ RRO والذي يسمح باستخدام حوالى 10 % من القروض المعقودة من دون الحاجة إلى وقت طويل، أي يمكن إنجاز عملية من هذا النوع في غضون شهر واحد. بحيث تصبح الدولة قادرة على التصرف كمجموع عام بحوالى 200 مليون دولار أو أكثر. بالإضافة إلى عقد الـ 250 مليون دولار الذي يمكن استخدامه لإزالة الردم والبنى التحتية المتضررة جراء الحرب.
كذلك جرى التوقيع على قرض بقيمة 200 مليون دولار لتوسيع برنامج "أمان" المخصص للفئات الأكثر حاجة. هذا القرض كان جاهزًا، وكان يفترض أن يأتي وفد من البنك الدولي لتوقيعه في بيروت، لكن الوضع الأمني المستجد حال دون قدومهم إلى لبنان، واستعيض عن ذلك بتوقيع العقد في واشنطن.
تجدر الإشارة، وبصرف النظر عن الحاجة الملحة إلى الأموال، أن هذه القروض الميسرة هي في النتيجة بمثابة ديون إضافية سوف تضاف على القروض التي يرزح تحتها الاقتصاد اللبناني. وهي، وإن كانت طويلة الأجل وتمتد فترة سدادها على ثلاثين سنة، إلا أنها ستُعاد مع فوائد لا تقل عن 4 %.
في الموازاة، نقل الوفد اللبناني تقديرات أولية للأضرار المباشرة للحرب في خلال الأسبوعين الأولين من اندلاعها، من خلال تقنية التصوير بالأقمار الصناعية، والاعتماد على برنامج مرتبط بالذكاء الاصطناعي. وقد تبيّن أنها وصلت إلى حوالى مليار ونصف المليار دولار. هذه الأضرار سبقت حالات التدمير الممنهج الذي قامت به إسرائيل في فترة لاحقة للقرى والبلدات. بما يعني أن حجم الأضرار المباشرة حتى اليوم تجاوز بكثير حجم الأضرار التي تسبّبت بها حرب 2024، والتي قدرها البنك الدولي في حينها بحوالى 7 مليارات دولار.
وبالتالي، لا إمكانية للبنان بالنهوض من هذه الخسائر من دون تكاتف دولي ودعم خارجي سخي، لن يتأمّن قبل تغيير المشهد باتجاه دولة طبيعية مكتملة السيادة، وغير معرّضة لحروب جديدة في المستقبل. كل ما تستطيعه الدولة اليوم، قبل الوصول إلى الحل الجذري، محاولة تضميد الجروح. وحتى هذه العملية البسيطة ستكون مكلفة وصعبة بالنسبة إلى اقتصاد هشّ ومنهك، ومنهار منذ العام 2019، ولا يزال.