المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الاثنين 10 آب 2026 01:47:59
قفزت الأجواء السلبية مجدداً إلى واجهة المشهد. لبنان يلوّح بعدم المشاركة في جولة المفاوضات المقبلة في روما. بينما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث عن خوض عملية ذات أهمية في لبنان، وكشف أن الجيش الإسرائيلي نفذ خلال الأيام الأخيرة عمليات مكثفة قال إنها استهدفت من وصفهم بـِ "الإرهابيين"، بمن فيهم عناصر في مرتفعات علي الطاهر. وقال نتنياهو إن إسرائيل عملت بقوة في لبنان خلال الأيام الماضية، مضيفًا أنه لا يستطيع الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن طبيعة العمليات الجارية. وأضاف: "نحن في خضم عملية بالغة الأهمية، ونتصرف بحكمة وتقدير سليم، وبإصرار وحذر، بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، ونعمل على إزالة التهديدات".
نية نتنياهو
إذن، ينقسم المشهد بين صورتين: صورة الانسداد السياسي والديبلوماسي، في مقابل صورة التصعيد العسكري الذي يتحينه نتنياهو في أي لحظة، وهو الذي يرفض المقترحات الأميركية لمجلس السلام في قطاع غزة، كما يرفض الالتزام بأي وقف لإطلاق النار في لبنان أو الانسحاب من أي منطقة. قد يستغل نتنياهو الموقف اللبناني الرافض للمشاركة في المفاوضات لتصعيد عملياته العسكرية، وهو في الأساس يواصل تنفيذ العملية ومحاصرة علي الطاهر استعداداً للدخول إليها في حال لم يوافق الجيش اللبناني على الدخول والسيطرة عليها وتفكيك بنية حزب الله العسكرية فيها وإخراج مقاتليه منها.
ليس ثابتاً
في هذا السياق، كشف مصدر قريب من رئاسة الوفد اللبناني المفاوض أنَّ موعد جولة أيلول "ليس ثابتًا حتى الآن"، وأنَّ انعقادها، من الجانب اللبناني، لم يعد أمرًا محسومًا أو منفصلًا عمّا ستقوم به إسرائيل على الأرض خلال المرحلة المقبلة. وبحسب المصدر، فإنَّ الموقف اللبناني بات واضحًا لجهة رفض الذهاب إلى جولة جديدة لمجرّد استمرار المسار التفاوضي، في وقت تواصل فيه إسرائيل عمليّاتها العسكريّة في الجنوب. وأشار إلى أنَّ "لبنان لن يشارك في أيّ جولة جديدة ما لم توافق إسرائيل على الشروط اللبنانيّة"، وفي طليعتها وقف إطلاق النار بصورة شاملة، ووقف عمليّات التجريف والتدمير التي تنفّذها القوّات الإسرائيليّة في عدد من البلدات الجنوبيّة. وبذلك، يربط لبنان استمرار مشاركته في المسار التفاوضي بخطوات عمليّة على الأرض، ويرفض التعامل مع انعقاد الجولات بوصفه هدفًا بحدّ ذاته، في ظلّ استمرار العمليات الإسرائيليّة بالتوازي مع المفاوضات.
أما في ما يتعلّق بملفّ "المناطق التجريبيّة"، فأكّد المصدر أنَّ لبنان لا يزال متمسّكًا بالمطالبة بإقرار مناطق جديدة، ويتمسّك تحديدًا بخيارَي الخيام وبنت جبيل. وعليه، فإنّ هذا الملفّ سيبقى في صلب الشروط اللبنانيّة قبل الانتقال إلى جولة تفاوضيّة جديدة، وسط إصرار الوفد على أن تترجم المفاوضات بإجراءات ملموسة، لا أن تبقى منفصلة عن التطوّرات الميدانيّة.
كرم غادر القاعة
المشلكة ليست وليدة لحظتها، بل انفجرت خلال جلسات التفاوض، خصوصاً عندما اعتبر الوفد اللبناني أن الوفد الإسرائيلي يصرّ على المراوغة، ولا يريد الالتزام بالمطالب اللبنانية ولا بتلبيتها. وقد استشعر الوفد اللبناني أنَّ الإسرائيليين يعملون على تمرير الوقت فقط ويخوضون انتخاباتهم على الجبهة اللبنانية، لذا هم يرفضون الانسحاب من أي منطقة. وهذا الأمر أدى إلى حصول توتر كبير خلال جولات التفاوض، وهو ما دفع برئيس الوفد سيمون كرم إلى مغادرة قاعة الاجتماع. إلا أن تدخلات أميركية حصلت واتصالات جرت مع بعبدا دفعت للعودة إلى طاولة المفاوضات. بعدها تجدد الإشكال إثر التحذير الذي وجهه الإسرائيليون لبلدة المنصوري على خلفية اتهام حزب الله بتفجير عبوة بقوة إسرائيلية، عندها قدم الوفد العسكري تقارير تشير إلى أن العبوة كانت مزروعة قبل اتفاق وقف النار، فيما أراد الإسرائيليون تحوير الوقائع واعتبار أن العبوة زرعت حديثاً.
رسالة في اتجاهين
مشكلة أخرى وقعت لدى النقاش في الآليات التقنية والعسكرية، إذ إن الإسرائيليين كانوا يصرّون على إتلاف الأسلحة التي يصادرها الجيش من مواقع أو مخازن حزب الله، بينما طرح الوفد العسكري الاحتفاظ بهذه الأسلحة، والاستفادة منها ما دامت قد أصبحت تحت سيطرته. عملياً يريد لبنان من التلويح بعدم المشاركة في المفاوضات، وضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وهذا، على ما يبدو، رسالة واضحة للأميركيين كما لحزب الله في الداخل اللبناني، على اعتبار أن الخيار البديل عن التفاوض وتحقيق تقدم في تطبيق بنود الاتفاق سيكون الحرب التي يتحضر لها الإسرائيليون ويريدونها أيضاً. كما أن ذلك سيكون له انعكاس على موقف الجيش الذي يطلب منه الأميركيون التحرك بفعالية أكبر وسرعة في سبيل حصر السلاح.
الحزب يرفض الصيغ
أمام هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى الاتصالات التي قد تجري بين اللبنانيين والأميركيين في محاولة لإنقاذ الموقف وإعادة وضع المفاوضات على السكة، فيما تبدو حسابات نتنياهو مختلفة، وهو الذي يريد التصعيد في أي لحظة. هنا لا يمكن إغفال التصعيد الميداني الذي شهده الجنوب، سواء من خلال عودة دخول القوات الإسرائيلية إلى بلدة زوطر الغربية في محاولة لتكريس أمر واقع يتعلق بأن تعود إسرائيل إلى أي بلدة انسحبت منها، إضافة إلى التصعيد عبر القصف المدفعي والغارات بطائرات مسيّرة تستهدف تلة علي الطاهر ومحيطها. وقد أصبحت القوات الإسرائيلية تحكم الطوق على تلة علي الطاهر، وسط معلومات تشير إلى أن فيها حوالى 40 مقاتلاً من حزب الله، وبعضهم من الحرس الثوري الإيراني، محاصرين فيها. وتفيد المعلومات أن الحزب رفض كل الصيغ المتعلقة بفتح ممر آمن له لإخلاء المنشأة العسكرية وتسليمها للجيش مقابل سحب السلاح منها.
الخط الثالث
إحكام الطوق على المنشأة العسكرية في علي الطاهر، يعني قطع كل طرق الإمداد العسكري والغذائي عن المقاتلين فيها، وسط معلومات تفيد بأنه لم يعد بالإمكان إيصال الغذاء أو الماء أو حتى السلاح إلى المنشأة العسكرية. وهذا قد يرتبط بسيناريوهين: إما سعي الإسرائيليين لتنفيذ عملية كوموندوس عبر قوات خاصة لاقتحام المنشأة، وإما تنفيذ عملية عسكرية كبيرة باتجاهها، لكن ذلك يعني تحشيد عدد كبير من القوات والدخول في معركة خسائرها كبيرة، خصوصاً أن الحزب يتخذ قراراً بخوض حرب شرسة لمنع سقوط المنشأة، التي أصبح لها أهمية متعددة الأوجه، أولاً نظراً للمقاتلين الموجودين فيها، وثانياً نظراً للموقع الاستراتيجي لها، فهي مشرفة على بلدة كفرمان، والنبطية، وهذا ما يعني سقوط النبطية عسكرياً. أما ثالثاً، فسقوط علي الطاهر يعني تعرض خط الدفاع الثاني لدى حزب الله إلى ضربة كبيرة، لينتقل التركيز الإسرائيلي إلى خط الدفاع الثالث، الممتد ما بين البقاع الغربي وجبل الريحان وإقليم التفاح. وقد أسمع الإسرائيليون مراراً بأنهم يريدون السيطرة على هذه التلال الإستراتيجية التي تحوي مواقع عسكرية ضخمة.