نزع السلاح بدل التصفية.. ترامب يختار "الحذر البراغماتي" مع الأذرع الإيرانية

أكد خبراء في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنتهج سياسة "مرنة" في التعامل مع الأذرع المسلحة في المنطقة، وعلى رأسها حركة حماس وحزب الله والميليشيات العراقية، بنزع سلاحهم بدلًا من الاجتثاث.  

واعتبروا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن السياسة الأمريكية القائمة على نزع السلاح بدلًا من الاجتثاث، قد تكون واقعية لكنها لن تتحقق، وهي براغماتية لكنها لا تحسم الأمور، حيث تخفف الخسائر على المدى القصير.

وأشاروا إلى أنها في المقابل، تؤجل الانفجار الآتي، إذا لم ترتبط بتسويات حقيقية، وإن لم تكن هناك مؤسسات دولة فعالة.

ولفتوا إلى أن الحل المؤقت يدير أزمة ولا يعالج الجذور، وما تقوم به واشنطن محاولة للتعامل لفترة مؤقتة لا أكثر. 

توجه على 3 محاور 

ويظهر مؤخرًا مضي واشنطن في اتباع سياسة نزع سلاح الميليشيات بدلًا من الاجتثاث، في عدة مشاهد من بينها، ما أعلن عنه بوجود تفاهمات متقدمة بين حركة حماس والإدارة الأمريكية، تقوم على معادلة غير مسبوقة تنص على نزع سلاح الحركة وتقديم خرائط أنفاق غزة، مقابل إعادة تعريفها كحزب سياسي غير ملاحق إسرائيليًا.

وقبل ذلك، تهتم إدارة ترامب بنزع سلاح حزب الله بالضغط على لبنان، ما جعل الدولة تقر خطتها لحصر السلاح في يد الدولة، في أغسطس الماضي، والتي تم مرحلة منها في جنوب الليطاني ومن المنتظر الذهاب إلى مرحلة شمال الليطاني، في وقت تضع الميليشيا اللبنانية العراقيل أمام ذلك، ما جعل واشنطن تهدد بتفعيل الضوء الأخضر المقدم من جانبها لتل أبيب، بالذهاب لعملية عسكرية يتم على أثرها القضاء على ترسانة التنظيم. 

وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير إعلامية دولية، أن مسؤولين أمريكيين ضغطوا على العراق في اجتماعات مع كبار قادته لوضع خطة "موثوقة" لنزع سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران بسرعة. 

تجارب فاشلة في العراق وأفغانستان

وتقول الباحثة في الشؤون الفلسطينية والعلاقات الدولية، الدكتورة تمارا حداد، إن تعقيدات الاجتثاث جعلت الولايات المتحدة تنتقل إلى مسار نزع السلاح، في ظل تجارب سابقة من بينها العراق، حيث أنشأت جماعات مسلحة أكثر تطرفًا في توجه الاجتثاث، وقبل ذلك التجربة الأفغانية التي أظهرت أن القضاء العسكري الكامل على تنظيم مسلح متجذر اجتماعيًا شبه مستحيل، وهو ما يجعل ترامب يرى عبر سياسة براغماتية، في استخدام واقع نزع السلاح، بدلًا من الاجتثاث.

واعتبرت حداد في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن حزب الله وحماس والفصائل العراقية ليست تنظيمات معزولة، حيث لديها حاضنات شعبية واجتماعية وحضور سياسي وارتباطات في المنطقة واجتثاثها قد ينتج عنه حرب إقليمية، وإدارة ترامب لا تطمح في ذلك، حيث تسعى إلى ضربات موضعية سريعة خاطفة، على الرغم من أنها لم تحقق النتائج المطلوبة لواشنطن حتى الآن.

إدارة الصراع بدلًا من الحسم النهائي

وأضافت حداد أن أولوية الولايات المتحدة تقليل واقع التهديدات وليس تصفيتها، لأنه قد يأتي الوقت ويكون لتلك التنظيمات وظيفة كما جرى عبر فترات موسمية مع داعش، بالإضافة إلى أن إدارة ترامب لا تريد حربًا مفتوحة لسنوات، ما يرهقها عسكريًا وسط الرغبة في الذهاب إلى إدارة الصراع بدلًا من الحسم النهائي. 

واستكملت حداد أن الولايات المتحدة اليوم تطبق هذه السياسة على حلقات الميليشيات وفي الصدارة حماس، حيث تحاول نزع سلاحها الثقيل، وتحييد قدراتها الصاروخية، ومعرفة خريطة الاتفاق، وإنهاء الجناح العسكري، وتحويل الحركة إلى حزب سياسي، والمشكلة أن حماس والحال نفسه لحزب الله، يرون أن السلاح جزء من شرعية الوجود.

حل مؤقت لا يعالج الجذور

وتتحدث حداد أن واشنطن تدرك أن هناك استحالة في اجتثاث حزب الله، لأنه جزء من النسيج السياسي والاجتماعي اللبناني، ولذلك تركز على احتواء هذا السلاح ومنع استخدامه إقليميًا، لكن التنظيم يرفض حتى اللحظة ذلك.

وأفادت حداد أنه من حيث النموذج الأوضح لسياسة نزع السلاح نجده مع الميليشيا العراقية، عندما تم دمج الفصائل في الدولة كالحشد الشعبي، ويتم العمل على ضبط السلاح بدلًا من تفكيكه.

واعتبرت أن الهدف الأمريكي هو تقليص استقلالية القرار العسكري، ومنع استخدام العراق كساحة صراع إقليمي، ما يجعل هذا السلاح رسميًا من خلال الحشد الشعبي، ولكنه خارج سيطرة الدولة في نهاية المطاف.

وتعتقد حداد أن السياسة الأمريكية القائمة على نزع السلاح بدلًا من الاجتثاث قد تكون واقعية لكنها لن تتحقق، وهي براغماتية لكنها لا تحسم الأمور، حيث تخفف الخسائر على المدى القصير، لكنها تؤجل الانفجار الآتي إذا لم ترتبط هذه السياسة بتسويات حقيقية، وإن لم يكن هناك مؤسسات دولة فعالة، لذلك الحل المؤقت يدير أزمة ولا يعالج الجذور، وما تقوم به واشنطن محاولة للتعامل لفترة مؤقتة لا أكثر.

 مقاربة "مرنة"

بدوره، يؤكد الباحث في شؤون الشرق الأوسط، محمد هويدي أن الولايات المتحدة ترى أن نزع السلاح بدلًا من سياسة الاجتثاث، تمثل مقاربة "مرنة" أقل كلفة وأكثر واقعية في التعامل مع حركات مسلحة متجذرة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، مثل حركة حماس، وحزب الله، وبعض الفصائل العراقية.

وذكر هويدي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن التجارب السابقة أظهرت أن أي محاولة للاجتثاث الكامل، سواء بالقوة العسكرية أم عبر العزل السياسي المطلق، غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية.

وأوضح أن هذه السياسات تسهم في إعادة إنتاج تلك الجماعات بأشكال أكثر راديكالية، أو تدفعها إلى إعادة تدوير نفسها والانتقال نحو العمل السري والفوضوي، مشيرًا إلى أن واشنطن تعتمد، بناءً على ذلك، مبدأ الاحتواء التدريجي، وتقليص القدرات العسكرية، والسعي إلى الفصل بين الجناح المسلح والجناح السياسي، إلى جانب دمج الفاعلين المحليين في توازنات الدولة بدلًا من تركهم خارجها.

وبحسب هويدي، فإن واشنطن تفضل تحجيم نفوذ القوى العراقية المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة بدلًا من خوض مواجهة شاملة قد تؤدي إلى تفجير النظام السياسي القائم، ما يعد خيارًا أقل خطورة على استقرار بغداد، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى حزب الله على أنه واقع مركب يصعب تفكيكه دفعة واحدة، ما قد يقود إلى انهيار الدولة اللبنانية أو الانزلاق نحو حرب أهلية.

محدودية الخيارات أمام واشنطن

وبيّن هويدي، أن المقاربة الأمريكية تجاه حركة حماس تتأرجح بين الضغط العسكري غير الحاسم، والسعي إلى ترتيبات أمنية تهدف إلى إضعاف السلاح دون معالجة الجذور السياسية للصراع، ويعكس هذا التردد محدودية الخيارات المتاحة أمام واشنطن في هذا الملف، مؤكدًا أن هذه المرونة في السياسات لا تعكس بالضرورة قناعة أخلاقية أو قانونية، بقدر ما تعبر عن براغماتية استراتيجية تقدم الاستقرار المؤقت على العدالة السياسية وبناء الدولة. 

وأوضح أن لجوء الولايات المتحدة إلى هذه السياسات جاء نتيجة تجارب سابقة فاشلة، مستشهدًا بعدم قدرتها على اجتثاث حركة طالبان، وفشلها في القضاء على الحوثيين في اليمن، إضافة إلى نتائج ما قامت به في العراق من محاولة لاجتثاث حزب البعث والقضاء عليه بشكل كامل.

وأردف بالقول إن التجربة العراقية شكّلت نكسة حقيقية، إذ أدت إلى تفكيك الدولة وانتشار الفوضى من دون القضاء على البعث، مؤكدًا أن الولايات المتحدة، بناءً على ذلك، باتت تميل اليوم إلى سياسات نزع السلاح والاحتواء وممارسة الضغط، باعتبارها أقل كلفة من خوض حرب شاملة.