المصدر: المدن
الخميس 5 شباط 2026 11:53:27
مع انقضاء مهلة معاهدة "ستارت الجديدة" اليوم، دخل النظام الدولي مرحلة غير مسبوقة منذ عقود: غياب أي إطار قانوني مُلزِم يقيّد الترسانتين النوويتين الأكبر عالمياً، في الولايات المتحدة وروسيا. حدثٌ يعيد إلى الواجهة شبح سباق التسلح، ويضع الاستقرار الاستراتيجي العالمي أمام اختبار مفتوح.
ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، انتهاء المعاهدة بأنه "لحظة خطيرة للأمن الدولي"، محذراً من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة غير محسوبة. في المقابل، حمّلت موسكو واشنطن مسؤولية انهيار منظومة الضبط، معتبرة أن الظروف السياسية لم تعد تسمح باستمرار التعاون النووي.
من ضبط الترسانات إلى تعليق الالتزامات
ووُقعت "ستارت الجديدة" عام 2010، ودخلت حيّز التنفيذ في 2011، واضعة سقفاً بـ1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً لكل طرف، و700 منصة إطلاق، إلى جانب نظام تفتيش وتبادل بيانات يُعد الأوسع في تاريخ ضبط التسلح.
ومثلت المعاهدة تتويجاً لمسار بدأ مع نهاية الحرب الباردة. وفي كانون الثاني/يناير 2021، مُدّدت لخمس سنوات إضافية، في محاولة لإنقاذ آخر أعمدة الضبط الثنائي.
غير أن الحرب في أوكرانيا سرعت انهيار هذا المسار. ففي شباط/فبراير 2023، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعليق مشاركة بلاده في المعاهدة ووقف التفتيش.
وردت واشنطن بأن الخطوة تمثل "إخلالاً جوهرياً بالالتزامات"، لكنها عملياً شلت آليات الاتفاق.
ماذا يعني غياب "ستارت" اليوم؟
بانتهاء المعاهدة، يفقد العالم ثلاثة عناصر مركزية، وهي تحديد السقف القانوني للرؤوس والمنصات، والشفافية عبر التفتيش، وإدارة الأزمات المؤسسية.
وحذر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في تقريره لعام 2025 من أن "انهيار آليات التحقق يخلق بيئة عالية الخطورة، حيث تصبح قرارات الردع مبنية على تقديرات ناقصة أو خاطئة". وأضاف أن "غياب الشفافية يزيد احتمالات سوء التقدير في أوقات الأزمات".
حسابات موسكو وواشنطن
وتنظر موسكو إلى الملف النووي بوصفه عنصر سيادة وورقة ضغط سياسي. تعليق الالتزامات يمنحها هامش مناورة أوسع في مواجهة العقوبات، ويعزّز خطاب "الدولة المحاصَرة القادرة على الرد". كما تسعى إلى ربط أي اتفاق مستقبلي بمنظومة أمنية أوروبية أوسع.
في المقابل، ترى واشنطن في "ستارت" أداة لإدارة المنافسة الاستراتيجية. انهيارها يضعها أمام معضلة مزدوجة: احتواء روسيا والاستعداد لمواجهة الصين.
وفي دراسة لـ"مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، اعتبر الباحثون أن "نهاية ستارت تعني أن الولايات المتحدة ستواجه لأول مرة منافسين نوويين كباراً دون إطار منظم".
وأضاف التقرير: "إدارة ردع مزدوج ضد موسكو وبكين تمثل تحدياً غير مسبوق".
وفي خلفية انهيار "ستارت"، تبرز الصين بوصفها المستفيد غير المعلن من تفكك النظام الثنائي، حيث أعلنت اليوم نيتها عدم المشاركة في محادثات حول التسلح النووي "في المرحلة الراهنة".
وتشير تقديرات وزارة الدفاع الأميركية إلى أن بكين قد تمتلك أكثر من ألف رأس نووي بحلول 2030، مدفوعة ببناء صوامع جديدة وتطوير منصات متقدمة.
ويرى معهد بروكينغز أن "غياب إطار ملزم بعد ستارت يمنح الصين فرصة نادرة لبناء قوتها النووية دون كلفة سياسية كبيرة".
أوكرانيا: النووي رهينة الحرب
ولم يكن انهيار "ستارت" معزولاً عن حرب أوكرانيا، بل كان أحد انعكاساتها المباشرة منذ عام 2022.
وأشار تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن مسؤولين غربيين عبروا عن "قلق متزايد من تداخل الحرب الأوكرانية مع العقيدة النووية الروسية".
ونقل التحقيق عن مسؤول أميركي قوله إن "كل تصعيد ميداني بات يُقرأ من زاوية نووية".
ويتزامن انتهاء المعاهدة مع تعثّر المسار الدبلوماسي حول برنامج إيران، وتصاعد المواجهة بينها وبين إسرائيل.
وقال رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، إن "مستوى الشفافية في البرنامج النووي الإيراني تراجع بشكل مقلق"، كما نقلت وكالة "رويترز" عن دبلوماسيين غربيين أن "تفكك نظام ضبط التسلح العالمي يقلّص فرص التوصل إلى تسوية مستدامة مع طهران".
ما بعد 2026: سيناريوهات مفتوحة
وفي ظل غياب أي اتفاق بديل حتى الآن، تبدو مرحلة ما بعد "ستارت" مفتوحة على عدة مسارات محتملة. أولها، نشوء شكل من أشكال "الضبط غير الرسمي"، حيث يلتزم الطرفان ضمنيًا بسقوف قريبة من المعايير السابقة، من دون إطار قانوني أو آليات تحقق. وثانيها، التوصل إلى تفاهمات انتقالية محدودة تعيد جزئياً بعض إجراءات الشفافية، ريثما تتوافر ظروف سياسية لاتفاق أوسع.
أما المسار الثالث، فيتمثل في الدخول في سباق تسلح "مُدار"، يقوم على رفع تدريجي للجاهزية النووية وتطوير المنصات، من دون انفجار عددي فوري. في حين يفترض المسار الرابع قيام إطار ثلاثي يضم الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهو خيار تصفه مراكز أبحاث بأنه شديد التعقيد بسبب تفاوت العقائد النووية ومستويات الترسانة.
ويبقى السيناريو الخامس، والأكثر خطورة، هو تفكك شامل لمنظومة الضبط، وانتقال الردع إلى منطق القوة الصرفة دون قيود مؤسسية.
وتشير تقديرات مراكز بحثية غربية إلى أن سيناريو "السباق المُدار" يبدو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، في ظل استمرار التوترات السياسية وغياب إرادة دولية حقيقية لإعادة بناء نظام شامل لضبط التسلح.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة أمام الجمعية العامة، إن "العالم يبتعد عن منطق الضبط، ويقترب من منطق المغامرة النووية"، ومع سقوط آخر اتفاق مُلزِم، يدخل النظام الدولي مرحلة يُدار فيها أخطر سلاح في التاريخ عبر الحسابات السياسية والغموض، لا عبر القواعد.
في هذا المشهد، لا تكمن الخطورة في اندلاع حرب نووية غداً، بل في تراكم ظروف الخطأ وسوء التقدير، حتى تصبح الكارثة نتيجة طبيعية لمسار طويل من التفكك.