هل "اشتمّت" تل أبيب خاصرة رخوة إيرانية... فاندفعت بوجه "حزب الله"؟

عَكَسَ سقوطُ 28 ضحية و69 جريحاً، بينهم نساء وأطفال، منذ يوم السبت في «موجة النار» الاسرائيلية التي تعصف بالجنوب اللبناني، حَجْمَ المَخاطر التي تَحوط بلبنان في لحظةٍ فائقةِ الحساسية على مستوى المنطقة ينكشف معها الوطن الصغير بالتوازي على «أنوف» الطائرات الحربية كما «أفواه البراكين» الاقليمية، وأكثرها غلياناً جبهة إيران التي بات أسيرَها منذ إطلاق حزب الله في 2 مارس الماضي، «حرب الثأر للمرشد علي خامنئي».

ومع تسجيل أولى ساعات اليوم الاثنين، سقوط 12 ضحية في كفررمان (قضاء النبطية)، 11 منهم داخل مبنى استهدُف فجراً بينهم رضيعان و4 سيدات، ومسعف بغارة على سيارة في البلدة نفسها، إضافة الى 9 جرحى، ازداد الغموضُ الذي يلفّ خلفيات التصعيد الاسرائيلي الممنهَج الذي أعقب إسقاطَ تلة علي الطاهر الاستراتيجية وتمدّد نحو الريحان (قضاء جزين)، والذي ترافق مع مضي «حزب الله» بإطلاق مسيّراتٍ ضد قواتها في التلة التي تَستكمل تل ابيب التحضيرات لتفجير النفقيْن الرئيسييْن تحتها، وصولاً لـ «عودة» الحزب إلى محيط قلعة الشقيف المحتلة (منذ 3 أشهر ونيف) حيث وقعت مواجهةٌ «وجهاً لوجه» أعلن عنها الجيش الاسرائيلي، موضحاً أنه «خلال أعمال تمشيط نفذتها قوة من وحدة استطلاع غولاني في منطقة مرتفعات الشقيف (البوفور)، أطلق مخرب من حزب الله كان داخل مبنى النار باتجاه القوات» فقضوا عليه.

وفي الوقت الذي اعتُبر تأجُّج الميدان الجنوبي انعكاساً لوقوع لبنان مجدداً بين عدم ارتداع تل ابيب عن ترجمة فائض قوتها في الميدان مزيداً من التوغلاتِ لـ «تثبيت حدود المنطقة الأمنية» وربما توسيعها وفرْض وقائع على «ميزان التفاوض» مع بيروت، وبين إصرار طهران على استرهان «بلاد الأرز» لجبهتها رغم فقدان الحزب أي قدرةٍ على ردع اسرائيل، تعمّقت الخشيةُ من أن تكون الأخيرةُ تقوم عبر المسرح الجنوبي بأمريْن متزامنيْن:
- زيادة منسوب الضغط على الجانب اللبناني قبل جولة المفاوضات المرجَّحة بحلول منتصف الجاري أو بعده بقليل من خلال رفْع تكلفة التسليم بمراوحة ملف سحْب سلاح الحزب في دائرةِ ترْكه محكوماً بنتائج الجبهة الإيرانية.

- والتمهيد لاستكمال «حرب المرتفعات» التي كانت بدأت مع احتلال «الشقيف» بما فتح الطريق أمام سقوط علي الطاهر التي تشكل امتداداً جغرافياً طبيعياً يربط المرتفعات بمنطقة «القلعة» وبوابةً إلى العمق الجبلي في إقليم التفاح وجبل الريحان وتالياً مدخلاً للتمدد نحو البقاع الغربي.

وإذ لم يكن عابراً، بعد استهداف بلدة عين التينة (البقاع الغربي) يوم الجمعة، أن تشن اسرائيل اليوم الإثنين، غارة على دراجة نارية بين سجد والريحان (قضاء جزين) ما أدى الى سقوط شخص، فإن هذا التطور عزّز النقزةَ من أن تكون تل ابيب تُعطي «إشارة نارية» إلى وُجهتها التالية، بعد علي الطاهر، بحيث يتجاوز تصعيدُها المتدحرج تشكيل خط دفاع عن المنطقة الأمنية التي أعلنت أنها اكتملت بسقوط التلة (بمساحة نحو 700 كيلومتر مربع جنوب الليطاني وجزءاً من شمال النهر) ليطلّ على «شهية مفتوحة» على مزيد من القضم لمناطق حزب الله الاستراتيجية.

«قنبلة دخانية»

وفيما رأت اوساط سياسية أن الايام القليلة المقبلة ستكون كفيلة بالإجابة عن سؤال هل تنفّذ اسرائيل مناورةً إعلاميةً عبر رمي ما يمكن وصفه بـ «قنبلة دخانية» أوحت عبْرها بأنها على أبواب تقليص المنطقة الأمنية في جنوب لبنان والتراجع عن «الخط الأصفر» (عمقه ما بين 8 و10 كيلومترات) نحو نطاقٍ يراوح عمقه بين 2 و4 كيلومترات، ضمن ما سُمّي «الخط الرمادي»، اعتبرتْ أن ثمة عاملاً ربما أدى دوراً في جعل تل أبيب تتمادى في الميدان وصولاً ربما إلى إطلاق معركةِ التلال في اقليم التفاح وجزين وصولاً الى البقاع الغربي.

وتوقفت الأوساط عند أجواء تحدّثت عن أن «سرّ» سقوط تلة علي الطاهر «بلا مقاومةِ حتى الرمق الأخير» التي توعّد بها «حزب الله» الاسرائيليين، وصولاً لتصوير قريبين منه التلة على أنها بمستوى مضيق هرمز، قد يكون مرتبطاً بمناخاتٍ إيرانية فضّلت عدم تظهير احتلال هذا الموقع عبر مواجهة كبرى، لأن من شأن ذلك أن يضيء أكثر على عدم إسنادها الحزب وفق ما كان أشاع قادة فيه ومحللون محسوبون عليه.

ومكمن مثل هذا السلوك الإيراني في أن طهران باتت، كما تل ابيب، محكومةٌ بمقتضيات جبهتها مع الولايات المتحدة، الأولى لجهة اضطرارها إلى ضبط إيقاع حركة «حزب الله» الميدانية بما لا يستدرجها إلى مواجهةٍ مع اسرائيل وتالياً واشنطن في توقيتٍ لا تتحّكم بكل عناصره، هذا إذا اختارتْ خوضها، والثانية لجهة عدم القدرة على التفلت من الضوابط التي رسمها لها الرئيس دونالد ترامب في ما خصّ الامتناع عما من شأنه التخريب على إدارته للحرب مع الجمهورية الإسلامية بأدواتٍ عدة، آخرها الحصار الحديدي، ومعاودة إشعال المواجهة في المكان والزمان الخاطئين.

وانطلاقاً من هنا، تساءلت الأوساط عما إذا كانت تل ابيب استشعرت بالتهيّب الإيراني وقررت التصعيد ضدّ «حزب الله» والمضي بمسلسل التوسع فوق المرتفعات، ولو على طريقةِ التدرّج والنسَق نفسه الذي اعتُمد لأسابيع طويلة في علي الطاهر، إلا إذا جاء «الأمر» الأميركي بتهدئة الميدان والضغط على زرّ PAUSE، لتُستأنف المفاوضات مع لبنان وتفادي إحراج الأخير بتطوراتٍ تربكه وتزيد من الأثقال السياسية الداخلية على السلطة.

وقد برز ما نقلته «وكالة الأنباء المركزية» عن أوساط دبلوماسية من أن مسؤولين إسرائيليين أبلغوا استعدادهم لعقد الجولة الثامنة من المفاوضات بعد عيد رأس السنة اليهودية في 11 سبتمبر، لافتة إلى أن الوفدين السياسي والعسكري سيفترقان في مسار التفاوض، اذ يُتوقع أن يلتئم الوفد السياسي في روما، أو في الأردن على الأرجح، وفق ما تردد نسبة لقربها من لبنان واسرائيل، يومي 14 و15 الجاري، فيما تُعقد اجتماعات الوفد العسكري في مقر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في مدينة تامبا - ولاية فلوريدا.

ووفق هذه الأوساط سيشارك المسؤول الإسرائيلي عن ملف الأسرى والمفقودين، غال هيرش، في اجتماعات الوفد السياسي «بعدما نجح السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى في إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بتقديم بادرة حسن نية تجاه لبنان، عبر الإفراج عن عدد من الأسرى غير المقاتلين من عناصر حزب الله. وتأتي هذه الخطوة، في مقابل المبادرة اللبنانية بتزويد إسرائيل معلومات عن نحو 80 يهودياً في لبنان، إضافة إلى معلومات عن رفات أحد العسكريين».

مؤتمر باريس التحضيري

وفي سياق غير بعيد، ومع العدّ التنازلي لموعد مؤتمر باريس التحضيري لدعم الجيش اللبناني الذي يُعقد في 17 الجاري، تحدث تقارير في بيروت عن أن المؤتمر سيترأسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، على أن يشارك فيه أكثر من 30 رئيس أركان من الدول المشاركة، بينها المملكة العربية السعودية، إلى جانب ممثلين لمنظمات دولية وصناديق ومؤسسات مالية.

وخلال استقباله وزير العدل الفرنسي الفرنسي Gérard Darmanin أعلن عون «ان زيارتي الأسبوع المقبل إلى باريس للمشاركة إلى جانب الرئيس ماكرون في افتتاح الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الامن الداخلي، وبحث موضوع القوة الدولية في الجنوب»، مؤكداً ان «لبنان مع التجديد لقوة اليونيفيل في الجنوب ونسعى مع الرئيس ماكرون من اجل تسهيل التجديد»، مرحباً بـ «المبادرة الفرنسية والإيطالية لتشكيل قوة أوروبية تملأ الفراغ بعد انسحاب«اليونيفيل»(نهاية السنة).

ورأى ان «ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات متتالية وقتل أبرياء وأطفال ونساء وتدمير وحرق منازل وجرف ممتلكات جرائم مدانة ومرفوضة وغير مبررة وهي تستهدف مسار اتفاق الاطار وتقوض كل الجهود المبذولة لوقف التصعيد في الجنوب والمنطقة ككل».

عون ومحمد بن زايد

وكان عون عرض مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد ال نهيان، خلال اتصال تم اليوم الإثنين، الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الامنية المتسارعة في الجنوب، إضافة إلى مسائل تهم البلدين.

وشكر عون، محمد بن زايد «على الاهتمام الذي تبديه دولة الإمارات العربية المتحدة بحاجات لبنان على مختلف الأصعدة وبالدعم الذي تقدمه للتخفيف من معاناة اللبنانيين في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان»، معتبراً«ان الزيارة التي قام بها الوفد الإماراتي برئاسة وزير التجارة الخارجية الدكتور ثاني بن احمد الزيودي إلى لبنان، واللقاءات المثمرة التي عقدها مع المسؤولين اللبنانيين ورجال الاعمال، وكذلك الحفاوة التي لقيها الوفد اللبناني إلذي زار ابو ظبي الأسبوع الماضي يعبران عن عمق العلاقات الأخوية التي تجمع بين البلدين الشقيقين، ويؤسسان لمزيد من التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثماريّة كافة».