هل تُدوّل قضيّة هنيبعل القذافي؟

لم تنفع كلّ محاولات فريق الدفاع عن هنيبعل القذافي حتى الآن في “تحرير” السجين الليبي من الاعتقال. آخر المحاولات إعلان أحد محامي الدفاع عن نجل الرئيس الراحل معمّر القذافي السعي إلى تدويل قضيّته ورفع دعوى على السلطات اللبنانية بتهمة الاعتقال التعسّفي.

بالتأكيد مشكلة هنيبعل القذافي المتّهم بجرم كتم معلومات بقضية اختطاف الإمام موسى الصدر عام 1978 (كان عمره يومها نحو سنتين) ليست في ظروف الاعتقال، بل في سبب وجوده أصلاً داخل زنزانة.

تتقاطع كلّ المعلومات الأمنيّة مع تأكيدات القريبين من هنيبعل بأنّه يقبع داخل سجن مريح لدى “شعبة المعلومات”. وتتوافر له التسهيلات الممكنة قانوناً إلى حدّ أخذ إشارة قضائية من مدّعي عام التمييز السابق غسان عويدات بإخراجه من سجن مديرية قوى الأمن الداخلي من أجل إخضاعه لعملية زرع شعر و”تظبيط أسنانه”.

مع ذلك، بدا أنّ السبب الفعليّ لتسريب صور من داخل زنزانته أخيراً هو الإضاءة على قضيّة توقيفه والدفع باتّجاه إطلاق سراحه. يمكن بالتأكيد الجزم أنّ قصّة هنيبعل القذافي انتهت عند لحظة توقيفه. ولم تتقدّم منذ أكثر من عشر سنوات فشخة واحدة، كما لم يمثل أمام أيّ جهة قضائية منذ عام 2017.

قرار زاهر وجوزف

قرار المحقّق العدلي زاهر حمادة عام 2015 بتوقيف القذّافي بتهمة كتم معلومات وتسليم جهات قانونية بعدم الاختصاص. أكّدته محكمة التمييز برئاسة القاضي جوزف سماحة حين طلب الأخير نقل الملفّ من القاضي حمادة إلى قاضي تحقيق آخر لعدم اختصاص الأوّل، على خلفيّة الارتياب المشروع، بالإضافة إلى كون جرم كتم المعلومات الملاحَق به هنيبعل القذافي هو جنحة. ولا يُعتبر في عداد الجرائم المُدّعى بها أمام المحقّق العدلي. لكنّ عائلة الصدر سارعت إلى الطعن بقرار سماحة وطلب وقف تنفيذه أمام الهيئة العامّة لمحكمة التمييز التي استجابت فوراً لقرار وقف التنفيذ إلى حين بتّ طلب الطعن نفسه.

باختصار، القذافي موقوف منذ عقد من الزمن بقرار من المحقّق العدلي زاهر حمادة من دون مسوّغ قانوني، ومع انعدام اختصاص المحقّق العدلي والمجلس العدلي بالقضية. بدا الأمر يومها كالخطف على أساس “النسَب” لا غير لأنّه فقط يحمل اسم هنيبعل معمّر القذافي، كما ذكرت “المفكّرة القانونية”.

تقرير “الجديد” وردّ ليبيا

بعد التقرير الذي عرضته محطّة “الجديد” عن ظروف اعتقال القذافي أصدرت وزارة العدل الليبية بياناً. طالبت فيه “السلطات اللبنانية بتوفير الضمانات والحقوق المرعيّة بما فيها مكان الاعتقال والرعاية الصحّية الطبّية والزيارات والتراسل وغيرها من الحقوق التي تحفظ كرامته وآدميّته”.

أكّد البيان حقّ القذّافي “بالإفراج عنه دون قيد أو شرط لعدم ثبوت التهمة الموجّهة إليه أو وجود أدنى أدلّة تربطه بالقضية المعتقل بسببها”، وأملت وزارة العدل الليبية “أن تحظى بردود رسمية من الجهات المعنيّة بالجمهورية اللبنانية تفيد بتحسين ظروف اعتقاله خلافاً لما هو عليه الوضع الراهن، وستكون الوزارة على تواصل مع الجهات السياسية والمنظّمات الحقوقية والدولية والإقليمية لضمان قيام السلطات اللبنانية بمسؤوليّاتها حيال المعتقل الليبي ونيله لحقوقه وحرّيته”.

البداية

في كانون الأول 2015 أقدم النائب السابق حسن يعقوب مع عدّة أشخاص على خطف القذافي من سوريا واقتياده إلى لبنان عبر معابر غير شرعية واحتجازه في منطقة بعلبك. وفي مقابل رفض عدّة أجهزة أمنيّة تسلّمه. ونفض جهات حزبية وسياسية يدها من قضية اختطافه ومصيره بعد الاختطاف (بما في ذلك حركة أمل والحزب). صدرت إشارة قضائية لشعبة المعلومات بتسلّمه، فأرسلت دورية إلى بلدة مقنة في 11 كانون الأول من العام نفسه. واقتادته إلى المقرّ العامّ (شعبة المعلومات)، وبقي موقوفاً هناك منذ ذلك الوقت.

في نهاية عام 2015 أُوقف النائب يعقوب بجرم الخطف لأربعة أشهر، ثمّ أُطلق سراحه بكفالة ماليّة، وحتى الآن لم يصدر أيّ حكم بحقّه.

كتاب “المعلومات

في كتاب وجّهته “شعبة المعلومات” لمدّعي عام التمييز السابق غسان عويدات في تموز الماضي. ذكّرت الشعبة بأنّه منذ صدور مذكّرة التوقيف بحقّ هنيبعل. لم يتمّ استدعاؤه لحضور أيّ جلسة في قضيّة الجرم المنسوب إليه منذ عام 2017، وأنّه قضى أكثر من عشر سنوات سجنيّة، فيما هو موقوف فقط بجرم كتم معلومات بموجب المادة 408 من قانون العقوبات التي تنصّ على الآتي: “من شهد أمام سلطة قضائية أو قضاء عسكري أو إداري فجزم بالباطل أو كتم بعض أو كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسأل عنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات”.

كما أشار كتاب “المعلومات” يومها إلى تنفيذ هنيبعل إضراباً عن الطعام في حزيران 2023 وخسارته الوزن ومعاناته من بعض المشاكل الصحّية. وهو ما يسبّب له آلاماً شديدة وصعوبة في السير والحركة، فتمّ نقله إلى المستشفى مراراً وخضوعه للمعاينة الطبّية. كما تمّ نقله مرّات عدّة إلى طوارئ المستشفى. وبسبب وضعه النفسي الذي كان يسوء تدريجاً كان يرفض أحياناً كثيرة أخذ أدويته الحيوية، ولا يستجيب لقرار نقله للمستشفى. لكنّ قرار النقل كان يُنفّذ رغماً عن إرادته لتوفير العلاج اللازم له.

هيومن رايتس ووتش

سبقت ذلك إجابة مديرية قوى الأمن الداخلي على جملة أسئلة وجّهتها منظّمة حقوق الإنسان حول استمرار احتجاز القذّافي.

أهمّ ما ورد في إجابات المديرية التي أتت مفصّلة حول تواريخ مثول القذافي (19 مرّة) أمام عدّة جهات قضائية. قبل عام 2017 عدم معرفة عدد المرّات التي استجوب فيها قاضي التحقيق القذّافي وهل كان محاميه إلى جانبه لأنّه ليس من صلاحية الضابطة العدلية (شعبة المعلومات) التدخّل في عمل القضاء. “إنّما واجباتنا سوق الموقوف إلى الجلسات بعد تبلّغنا بموعدها من القضاء وإعادته إلى مكان احتجازه”.

كما جاء في ردّ المديرية بأنّ محقّقي “الشعبة” استجوبوا بناءً على إشارة قضائية من المدّعي العام التمييزي القذّافي بموجب أربعة محاضر. وقد تبيّن من المحضر الأوّل في 11/12/2015 استجوابه ثمّ تركه حرّاً. وتناول المحضر الثاني وجود كتاب صادر عن إنتربول ليبيا بحقّه بجرم غسل أموال واحتيال مصرفي ضدّ الحكومة. فاستُجوب وتُرك حرّاً (لاحقاً تمّ رفع إشارة الإنتربول الحمراء عنه).

أكّد كتاب المديرية ردّاً على “هيومن رايتس ووتش” تلقّي القذّافي رعاية صحّية ممتازة في مكان احتجازه مع تفصيل دقيق عن حالته الصحّية. ومع رفض القذّافي أخذ أدويته الحيوية. إلا أنّ الكتاب أشار إلى وضعه تحت المراقبة الطبّية الدائمة من قبل ممرّضي السجن وطبيب قوى الأمن الداخلي بشكل يومي. وأنّ ظروف احتجازه جيّدة، إضافة إلى ممارسته رياضة المشي عدّة مرّات يومياً. وتواصله بشكل دائم مع عائلته والالتقاء معهم ومع محاميه من دون أيّ عراقيل. مع العلم أنّ القذّافي أوكل أكثر من محامٍ ثمّ قام بعزلهم.

بشرى الخليل: يمكن ربح المعركة بالقضاء

تؤكّد بشرى الخليل المحامية السابقة للقذّافي لـ “أساس”: “ليست هناك أيّ مؤشّرات إلى وجود تعذيب لهنيبعل أو أذى بحقّه. هو بالنهاية داخل سجن، لكنّ وسائل الراحة متوافرة له. مشكلة هنيبعل الحقيقية أنّه يجب أن لا يكون أصلاً داخل الزنزانة، وقضيّته لم تُعرض على أيّ قاضٍ. المحقّق العدلي التابع للرئيس نبيه بري أصدر قراره بالتوقيف. فيما أصدر القاضي جوزف سماحة قراراً مضادّاً”، مشيرة إلى “إصرارها على إمكانية إخراج هنيبعل من السجن عبر القضاء”.

تسلّم الخليل بأنّ “في السياسة يحتاج الأمر إلى قرار من الرئيس برّي. لكن إذا تعذّر ذلك يمكن ربح معركة هنيبعل بالقضاء، بشرط عدم تدخّل السياسة بهذا المسار”.