هل تقبل إسرائيل بغير التفاوض المباشر مع لبنان؟

يواصل "حزب الله" تحديه للدولة اللبنانية ومحاولة تجويف مساعيها في موازاة عمله لإجهاض التفاوض مع إسرائيل من أجل ضمان وقف النار والانتقال إلى المراحل التالية لجهة ضمان الانسحاب والخطوات الأخرى. 

يقول النائب حسن فضل الله إن الحزب تواصل مع مسؤولين إيرانيين وأطلعهم على "انتهاكات" إسرائيل لوقف النار، لينقلوا ذلك إلى باكستان حتى تنقله بدورها إلى الأميركيين فيضغطوا على إسرائيل لاستمرار وقف النار. فالرسالة من ذلك هي السعي إلى إبقاء لبنان ورقة في يد إيران للتفاوض عليها، علّها تتوصل إلى تفاهم غير مكتوب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعيد الاعتبار إلى التفاهمات السابقة بين إسرائيل و"حزب الله" على غرار تفاهم نيسان 1996 أو حتى اتفاق ما بعد 2006 على وقع التفاهم الإيراني - الأميركي.

وعلى رغم انتزاع الولايات المتحدة ورقة لبنان من يد إيران بفتح باب التفاوض المباشر مع إسرائيل، ثمة رهانات دائمة على صفقات يمكن أن تجتذب الرئيس الأميركي ليبرم ما يراه الأفضل له.

والجزء الآخر من مساعي الحزب ينصب على شيطنة التفاوض المباشر الذي لا يخوض رئيس مجلس النواب نبيه بري معركة ضده، لكنه يماشي الحزب فيه ويشكل غطاء داعما. فالسؤال الذي يثيره البعض والذي قد ينسف السيناريو السابق، يتصل بأمرين على الأقل: الأول إذا كانت إسرائيل، وهي الطرف الآخر الذي تتوجه إليه المطالبة بالانسحاب من لبنان، تقبل بالتفاوض غير المباشر مجددا مع لبنان. وهذا الثمن الذي ذهب رئيس الجمهورية جوزف عون إلى إبداء الاستعداد لدفعه، أي التفاوض المباشر، وهو ليس الخيار الأسهل لكنه قد يكون الوحيد المتاح. وتسهل المزايدة من "الثنائي الشيعي" في هذا الإطار، علما أنه سبق للبنان أن خاض تجربة تفاوض مباشر مع إسرائيل وهي ليست تجربة 17 أيار، إنما حين أطلقت المفاوضات بعد مؤتمر مدريد في 1991 حين كان كل من الفلسطينيين والأردنيين والسوريين أيضا يفاوضون في واشنطن على نحو مباشر مع إسرائيل.

والوفد اللبناني الذي كان يترأسه الامين العام لوازرة الخارجية آنذاك السفير سهيل شماس ضم سفيرين عضوين محترمين ينتميان إلى الطائفة الشيعية، هما جهاد مرتضى وجعفر معاوية، إلى جانب ضباط مكلفين من قيادة الجيش من بينهم شيعي على الأقل، وكل ذلك نتيجة جلوس سوريا آنذاك إلى طاولة المفاوضات المباشرة حين لم تكن طائفة الوفد مطروحة. فالمبدأ الأول للمفاوضات يفترض أخذ التوازنات على الأرض في الاعتبار، وهي التي تحدد التوازنات في المطالب، وتاليا فإن سيطرة إسرائيل على 55 قرية في الجنوب اللبناني غير التدمير الذي ألحقته ببيروت أو البقاع، لا يوازنها حكما تدمير دبابة أو قتل جندي إسرائيلي أو تدمير مبنى بمسيّرة. فالمسألة ليست مسألة صمود، بل من يمتلك اليد العليا في هذه الحرب. ولا يمكن تجاهل أن ميزان القوى ليس في مصلحة لبنان، حتى لو تم التسليم جدلا بأن الحزب الذي يتعاطى بفوقية وتعالٍ ويسعى إلى فرض شروطه على رئيس الجمهورية، يعمل لانتزاع ورقة التفاوض منه ووضعها في يد إيران، وتاليا في يده تحديدا.

فما الذي يمكن أن يقدمه الحزب إذا كان الشرط الأميركي وليس الشرط الإسرائيلي فحسب، أن يكون التفاوض مباشرا؟ رئيس البرلمان الإيراني محمد قادر قاليباف قال إن "الحزب دخل هذه الحرب من أجلنا. كان وقف إطلاق النار في لبنان أحد شروطنا. لسنوات عديدة، حارب حزب الله الكيان الصهيوني، لكن هذه الحرب خاضها من أجل الجمهورية الإسلامية. جاء محور المقاومة لمساعدة الجمهورية الإسلامية". فكيف يمكن إقناع جهات عدة واللبنانيين في شكل خاص بأن التفاوض إذا تولاه الحزب سيكون لمصلحة لبنان وليس لمصلحة إيران؟

ثم، إذا فاوض الحزب عن لبنان فيمكن أن يحصّل أكثر مما قد تحصّله الدولة، باعتبار أنه إذا كان يمكن الاتكاء على تجربة 2024 التي فاوض خلالها بري بالنيابة عن الحزب وبتكليف منه وبالأصالة عن "الثنائي الشيعي"، فإن اتفاق وقف الأعمال العدائية كان استسلاما وليس اتفاقا متوازنا باعتباره وافق فيه على نزع سلاحه وحصره بكل الأجهزة الأمنية الشرعية.

والأمر الآخر يتصل بما تذهب إليه الدولة في التفاوض وإلى أيّ مرجعية تستند، والبعض يصر على أن تكون هذه المرجعية اتفاق الهدنة بما يحرج الحزب في الدرجة الأولى، باعتبار أن ذلك ليس واضحا تماما، علنا على الأقل، ولا يمكن الاكتفاء بوقف النار وانسحاب إسرائيل (إلى أين وما مدى الانسحاب) ولا الاكتفاء بدور الوسيط وليس المقرر الذي يستطيع الإنجاز، فيما يحتاج لبنان إلى تجاوب إيجابي أساسي من الولايات المتحدة ومن إسرائيل أيضا، خصوصا بعد تلبية لبنان شرط التفاوض المباشر، وهو تجاوب يضن عليها به الحزب الذي يجلس إلى طاولة الحكومة ويطالبها بكل أنواع الدعم والمساعدة.